قراءة في كفّ عمران

كان التفاز مثبتاً قرب الباب. ألقيتُ عليه نظرة متأهباً للخروج فلمحتُ طفلا مغبر الرأس، دامي الوجه يقلب كفه. كان المذيع المتجهمُ يتحدث، لكني لم أسمع صوته لأسئلة تكاثفت في ذهني.

لمَ كان ينظر فيه كفه؟omran

فلليد والكف في ثقافة العرب رمزية خاصة. فهي رمز الكرم والسلام، والمتنبي اشتكى من غرابة الكف حين ابتعد عن مكان العزة والمنعة، مشتكيا من بيئة لا يعرفه فيها أحد فيسلم عليه، أو لعله اشتكى في تلك البيئة من أفول الكرم وذبول المروءات فقال:

ولكن الفتى العربيّ فيها  * غريب الوجه واليد واللسان.

وجدتني أجلس لتأمل الصورة رغما عني؛ فالكف أيضا وسيلة لقراءة المستقبل.

 فهل كان عمران يقلب كفه ناظرا فيها مستفسرا عن أي مستقبل ينتظر هذه الأمة التي لا تفلت من مخلب جنرال أرعن، إلا لتستقر بين أنياب آخر.

لمْ يتأمل عمران إلا كفّه.

 فاليد رمز من رموز الإنسانية وخاصية من خصائص البشر. فالإنسان هو المخلوق الوحيد ذو اليد. إذ يستخدمها للصناعة والدفاع عن نفسه وللصلاة والرسم وكتابة الشعر، ولمس وجه المحبوب. خيل إلي أن عمران شك للحظة -وهو يتأمل أصحاب القبعات البيض الرائحين الغادين بين يديه وسط الحمم المتساقطة- في إنسانية هذا العالم الذي ينتمي إليه، فتأمل كفه كيف هي. أمخلبٌ، أم ظلف، أم كف إنسان؟

كيف يمكن أن يكون منتميا لهذا العالم الإنساني وسط طوفان الظلم هذا؟

نظر إلى يده.

فهي الآلة التي يتحدث بها الأعمى إذا انعقد لسانه، ويستخدمها الضرير إذا انسدت عليه مسالك الرؤية. فلعلها تحولت عند عمران وسيلة التعبير الوحيدة بعد استنفاد أحبيل اللغة، وانكتامِ كل الأصوات الصارخة تحت أنقاض حلب.

يرى منظروا الداروينية أن اليد من آخر الأعضاء تطورا في جسم الإنسان. فهل شك عمران لحظةً في انتمائه لهذا الجيل البشري المكتمل التطور، فنظر إليها شاكا أنه ما زال في كهوف الطفولة البشرية حين مرَّ على الإنسان حينٌ من الدهر لمْ يكُ شيئاً مذكورا؟

وجدتني فجأة أضغط جهاز التحكم مغلقاً التلفاز، جبناً أو هربا من تكرار الصور الصادمة؟ ربما.

ثم عزيت نفسي بأن هذ الحروب رغم ألمها أول حروب تندلع بهدف تحرير الشعوب من أغلالها. فهي ضريبة الحرية المؤجلة تدفعها الشعوب بعد قرون من الجبن عن دفعها.

فالقفزات الكبرى في تاريخ الأمم لا تأتي إلا بعد حروب طاحنة.

فولا بدر  وأحد لما كان فتح مكة، ولولا القادسية ونهاوند لما كانت أصفهان والري وشيراز. ولولا حرب المائة عام في أوروبا لمكا كانت ملايين النساء المحجبات يركبن البحر سعياً لاستظلال أفياء العدل في بلاد أوروبا المتفسخة. ولولا الحرب الأهلية الأميركية لما كانت كاليفورنيا ولا واشنطن.

وقفت من مكاني، للخروج، لكني لم أقاوم الفضول ففتحت التلفاز مرة أخرى.

لمحتُ أحد زعماء العرب ممن يدعي دعم الشعب السوري، وهو ممن يؤخر لحظة انتصاره خوفاً من إشراقة الحرية على المنطقة. أغلقتُ التلفاز خارجا وأنا أردد قول الأعرابي قبل قرون:

ونبكي حين نقتُلكم عليكم! * ونقتلكمْ.. كأنا لا نُبالي!

أغلقت الباب ورائي فارتطم صداه في ردهات المكان.. فلم أستطع مقاومة السؤال: ترى كيف كان صدى القصف في أذنيْ عمران قبل أن يغمى عليه؟.

2 تعليقان to “قراءة في كفّ عمران”

  1. Wafaa Wafaa Says:

    موفق …

  2. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: