أدب القرود

لا تنفك المضحكاتُ المبكيات –على رأي أبي الطيب- تترى من جهة مصر. ولعل من آخر ما يضحك الثكلى المفجوعة، ويخرج الزميت عن وقاره قهقهةً إعلان وزارة الأوقاف هناك القيام بحملة لتجديد الأخلاق، يتقدمها عمرو خالد وعلي جمعة. وتهدف الحملة حسب القوم إلى نشر “قيم الحب والتسامح التي غابت عن المجتمع المصري في الآونة الأخيرة”.

قرأت الخبر فتذكرت القصة التالية التي رواها الجاحظ عن شيخه إبراهيم بن سيار النظام.

روي الجاحظ أن النظام حدثه أن الجوع والحاجة أحاطا به في البصرة حتى أكل الطين؛ فلجأ إلى منطقة الأهواز. فبينما هو على حال منكرة إذ دق بابه رجل لحظة وصوله للأهواز. يقول النظام: “فقمت وفتحت له الباب فقال: أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز، ويقول لك: إنْ كنا اختلفنا في المقالة، فإنا نرجع بعد ذلك إلى حقوق الأخلاق والحرية. وقد رأيتُك حيث مررتَ بي على حاٍل كرهتُها، وينبغي أن تكون نزعتْ بك حاجةٌ، فإن شئتَ فأقم بمكانك مدة شهر أو شهرين، فعسى نبعث إليك ببعض ما يكفيك زمانًا من دهرك، وإن اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون دينارًا فخذها وانصرف، وأنت أحق من عذر”.

وكان ابن عبد العزيز هذا فيما يبدو أحد الخصوم الفكريين للنظام، لكنه صاحب أخلاق وشهامة، فلما رأي الرجل في وضع حرجٍ واساه.

هذه الأخلاق الراجعة “إلى حقوق الأخلاق والحرية” ليست من طينة “الأخلاق” التي يفكر فيها علي جمعة وعمرو خالد. إذ كيف يمكن لأمثالهم أن يكونوا قاطرة تهدي إلى الأخلاق، وهما اللذان كانا في جوقة الجنرال يغنيان وينفثان الدم، وسنابكُ الدبابات تسحق أشلاء المصلين الصائمين سحرا في رمضان؟

من ينسى خروج عمرو خالد وصنوه علي جمعة، طالبان من العسكر أن “يمحقوا ويضربوا دون رحمة”. فكانت صيحتهما تلك مساهمة واعيةً في سفك دماء آلاف النساء والشبان المسالمين المنادين بالقسط والإنصاف. فعن أي أخلاق يتحدث القوم؟

يبدو أن الأخلاق التي يتحدث عنها الرجلان هي ما يسميه صديقي الباحث عبد الله الطحاوي ب”أخلاق القرود”. إذ توجد في مصر مهنة القرداتي، وهو رجل يقوم بتعليم القرد كيف يتصرف بطريقة معينة. يشير له بالعصا فينام، ويحركها جهة أخرى فيضحك، ويشير بها ناحية ثالثة فيستلقي. تلك ربما هي الأخلاق التي يتحدث عنها عمرو خالد وعلي جمعة. أي أنهما سيحاولان أن يحدثا الناسَ بأن على الجالس إلى جانب آخرَ أن يقول له: “حضْرتكْ” وإذا ناداه أن يدبج اسمَه بالكلمة التركية “باشا”، ما دام طبعا لا يخالفه في الرأي. أما إذا خالفه فله أن يصرخ في وجهه بصوت منكر ويغري به أول مخبر يلقاه.

أما الأخلاق التي تستدعي المواقف فذلك ما لم يدر بخلد هؤلاء وهم يقزمون هذا المعنى الخطر كما قزموا من قبل دينا كاملا وأمة كاملة.

إن الشابة الأميركية ريشل كوري أقرب لأخلاق الأنبياء منك يا مفتي مصر وداعيتها. فقد قضت تحت عجلة جرارة إسرائلية منافحةً عن مظلومين مقهورين. لقد تركت حياتها الهادئة وجاءت لتجعل جسدها حصنا لحماية منزل أسرة فلسطينية من الهدم.

أما أنتما فعلاقتكما بالدين كعلاقة التاجر بالعُروض، والحاوي بثعابينه. والأخلاقُ التي تفكران فيها تدخلُ في باب أدب القرود، لا في باب الأخلاق الإنسانية الراجعة “إلى الحقوق والحرية” كما يقول أسلافنا.

إن وجود شخصيات من صنف علي جمعة وعمرو خالد هي التي جعلت ويل ديورانت يلاحظ بذكاء أن “الدين في مصر من فوق كل شيء ومن أسفل منه. فنحن نراه فيها في كل مرحلة من مراحله وفي كل شكل من أشكاله، من الطواطم إلى علم اللاهوت. ونرى أثره في الأدب وفي نظام الحكم وفي الفن، وفي كل شيء عدا الأخلاق”.

وأي دين هذا الذي يدخل في كل شيء عدا الأخلاق؟

إن الأخلاق –يا فقهاء العسكر- لا تنفصل عن المواقف ذات الضريبة العالية. أما أن تعمدَ إلى خصمك –لخلاف فكري عابر- فتغري به سفهاء الجنرالات والبلاطجة وتشجعهم علناً على قتل ولْدانه وسجنِ ذراريه واستصفاء أمواله، ثم تخرج بعد ذلك تدعو إلى حملات الأخلاق فذلك ما لا يكون. اللهم إلا إذا كانت أخلاق قرود لا أخلاق بشر.

  • نشر المقال بوقع “إيوان 24” يوم 7  فباير 2016.

رد واحد to “أدب القرود”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: