عقدةُ كره الذات

ودّ كثيرٌ من العرب اليوم لو وجدوا سوقاً يدخل إليه المرء فيشتريَ جلداً غير جلده ولساناً غير لسانه. سوق يدخل إليه الإنسان فيرى سَحَناءَ بألوان مختلفة وألسُناً برطانات متباينة للبيع فيشتري من سحنائها ما يشاء، ثم يخرج على الناس بجلد غير جلده ولسان غير لسانه العربي. تتبدى هذه الأمنية في بعض مما يكتب وكثير مما يقال.

وقد وقع في يدي قبل أيام كتاب لرجل ينتمي لهذه الطبقة من الناس؛ ويتبنى فكرة خلْتُها انطمست منذ دهر.

إذ يرى أن الإعاقة التي تُقعد العربَ عن النهضة إنما هي لغتهم الفصحى. فالفصحى لغة دينية نخبوية. وهي بذلك جزء من السلطة التي تنبغي الثورة عليها. فالمسافة ما بين الفصحى ولهجات الخليج والشام والمغرب المسافة نفسُها ما بين الإسبانية والفرنسية والألمانية والإنكليزية واللاتينية. لذلك لابد من أن يُقضى على الفصحى ويتقوقعَ كلُّ بلد عربي مُدرّساً أبناءَه بلهجته. ويومئذٍ، سينهض العرب لتشرق شمس حضارتهم من جديد؛ حسب رأي صاحبنا.

ولي على الفكرة نقاط لعل أهمها:

– أن الكاتب ناقل للفكرة لا مبدع لها، ومقلد ببغائي لا مفكر واع. فهو ناقل لكلام دانتي عن اللاتينية مطبّقٌ له على لغتنا. فلا فرق بينه وبين غيره ممن سبقوه من حُمّال شعارات الانهزام الثقافي مطلعَ القرن المنصرم. ثم أنتم تذكرون كيف تصدى لهم نبهاء الأمة بمن فيهم حافظ إبراهيم بقصيدته السائرة؛ وكيف تضعضع مشروعهم يومها.

– أن القداسة الحاجزة التي يزعمها غير موجودة. فالعربية لغة كُتب بها في كل فن وتُصُرِّفَ بها في كل نحلة وخاطرة. ولعل الدليل على ذلك ما سطره كتاب من أيام الجاحظ إلى أيامنا هذه من أدب ساخر مُتقَحّمٍ في فنون الحياة بلغة محايدة أبعد ما تكون عن زكانة الدين وقداسته، وما صاغه شعراء من أبي نواس إلى نزار من ألاعيب كانت فصاحتها مطيةَ طرافتها وظرافتها، وما وسعته من علوم مبتكرة سواء كانت تجريبية أو نظرية. وإن بقي تقوقع للفصحى وحصر نخبويٌّ لها فذلك ناتجٌ عن فشل التعليم والأمية والأنظمة المستبدة من عسكر وملوك، لا مادة اللغة في ذاتها.

– تُذكرني هذه الفكرة بورطة عقلية يعاني منها المتعلْمِنون المعادون للديمقراطية؛ (لعل الأدق في وصفهم ما اقترحه شادي حامد في مقال له في “ثي أتلانتيك” أنهم “المعادون للإسلاميين” لا الليبراليون أو العلمانيون! فالثابت في فلسفتهم عداء الإسلاميين لا غير). إذ تقودهم حقائق الواقع إلى الإيمان بمقدمة منطقية تقول إنه لا نهضة دون حرية، ولا حرية دون اختيار الناس لقادتهم. يسلمون بالمقدمة ثم يقعون في مأزق نتيجتِها المتمثلةِ في أن الناس يختارون التيارات الإسلامية المنفتحة المزاوجةَ بين احترام الهوية والتحرر. حينها يمنعهم القيد الإديولوجي المدْمي لمعاصمهم من التسليم بالحرية؛ فيتخيلون عوامل أخرى تحمل حلا سحريا بعيدا عن التحرر السياسي فيعمدون إلى اللغة وغيرها. وهنا أتذكر جورج طرابيشي الذي كنت أحترمه وأصدقه مزاعمَه إلى أن خرج الشعب السوري ستة أشهر مطالبا بالحرية، متمسكا بالسلمية رغم الإبادة فلم يسانده ببنت شفة لأنه رأى الإسلاميين فازوا في تونس. ثم اكتفى بمقال يتيم بائس بعد أن أزعجه المنتقدون المستغربون.

– أن المشكلة في التقصير بالاهتمام بالفصحى لا فيها. فالطفل الإنكليزي مثلاً تأخذه أمه بدايةً من عامه الثالث وتظل تقرأ له الروايات الأدبية قبل النوم، ثم يدرس النصوص العتيقة في المدرسة، ثم يظل يتعلم الإنشاء وإتقان فنون الاختصار ثم يظل يخضع للدورات في الكتابة الإبداعية، وتظل مادة “اللغة الإنكليزية” ملازمة له حتى في الجامعة. أما عندنا، فإن الرجل يتصدر إلى سِمَة المثقف وما قرأ عشرة كتب في حياته، بلْه الاطلاعَ على النصوص العتيقة.

– أن اللغة انعكاس لحال الأمة فحسب. فلو اختارت أمة لهجة ما لن تصبح عصا سحرية لحل مشاكلها، بل ستظل انعكاساً لوضعها النفسي والفكري. ولعل أبدع من عبر عن ذلك جبران خليل جبران -وهو ليس من هؤلاء الانهزاميين- حين قال: “إن وضع اللغة تابع لوضع الأمة التي تتكلمها. ففي الجاهلية كان الشاعر يتأهب لأن العرب كانوا في حالة تأهب؛ وكان ينمو ويتمدد أيام المخضرمين لأن العرب كانوا في حالة النمو والتمدد، وكان يتشعب أيام المولدين لأن الأمة الإسلامية كانت في حالة تشعب. وظل الشاعر -اللغة هنا- يتدرج ويتصاعد ويتلون فيظهر آناً كفيلسوف وآونة كطبيب، وأخرى كفلكي حتى راود النعاسُ قوةَ الابتكار في الأمم العربية فنامتْ، وبنومها تحول الشعراء إلى ناظمين والفلاسفةُ إلى كلاميين والأطباءُ إلى دجالين والفلكيون إلى منجمين” (فتاوى كبار الكتاب والأدباء، 33 الهلال، 1923).

– ثم إننا لو سلمنا جدلاً بالفكرة واعتمدنا اللهجات لوجدنا مأزقاً في هذه اللهجات لقصور تعبريها عن المصطلحات الفلسفية والتقنية. وحينها سنجد أنفسنا مضطرين لتعلّم هذه اللهجة وتطويرها وترجمة المصطلحات إليها، وهو جهد فررنا مما هو أسهل منه عجزاً وجبناً وتقليداً؛ فأنّى لنا به؟

– أن الفصحى ليست المشكلة، بل الجهل والأمية والتخلف ومعاداة الذات وكرهها. إن العربية ليست مشكلتكم، بل اللغات الأجنبية والانهزام النفسي أمام الثقافة الغربية المهيمنة. وصدق جبران خليل جبران مرة ثانية حين تحدث عن العلاقة بالثقافة الغربية قائلاً: “إن روح الغرب صديق وعدو لنا. صديق إذا تمكنا منه وعدو إذا تمكن منا؛ صديق إذ فتحنا له قلوبنا وعدو إذا وهبناه قلوبنا. صديق إذا أخذنا منه ما يوافقنا وعدو إذا وضعنا نفوسنا في الحالة التي توافقه”.
* نشر في موقع التقرير بتاريخ 24 أغسطس 2014

3 تعليقات to “عقدةُ كره الذات”

  1. Hind alsbbar Says:

    مقال جميل ومقدمة معبرة وهو أبلغ مدخل لهذا الموضوع ، أما الكاتب فإنما هو “كناطحٍ صخرةً يوما ليوهنها .. فلم يهنها وأوهى قرنه الوعلِ ” تقبل مروري ..

  2. Muhammad Shnety Says:

    لعل أروع ما في هذه المقالة هو إتقان الصنعة ليخرج الغرض منها على خير ما يروم الكاتب… تحية عربية

  3. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: