بين نخاس البصرة ونخاس القاهرة

لا أتأمل إطلالاتِ السيسي ومواعظه الدينيةَ للمصريين إلا تذكرت حادثة رواها معْمرُ بن المثنّى عن نخّاس من أهل البصرة يدعى ثُبيْتاً. فقد نزل به أعرابي فجعل ثبيت يصلي إلى الصباح ولم يطعم الأعرابي الجائع شيئا. فلما طلع النهار قام صاحبنا الأعرابي من مضجعه مُتأففاً منشداً:

لخبزٌ يا ثُبيْتُ عليه لحمٌ * أحبُّ إليّ من صوْتِ القُرانِ!
تبيتُ تُدَهْدِئُ القرآنَ حوْلي * كأنك عند رأسي عُقرُبانُ
فلو أطعمتني خبزاً ولحماً * حَمِدْنا… والطعامُ له مكانُ!

قفزتْ القصة التي كانت ترقد تلافيف ذاكرتي وأنا أتابع مواعظ السيسي وأدعيتَه بمناسبة ما تدعوه البيروقراطية الدينية المصرية بـمناسبة “ليلة القدر”.

كانت الصورة مترعةً بالدلالة، مُذكّرةً بعمق الداء الثاوي في أعماق ثقافتنا الدينية. شيخ معمم يجلس عن يسار عسكري يلقي خطابا في الذكرى الأولى لقتله آلاف المصريين الصائمين. وهذا العسكري مع ذلك يجد من قِحَةِ الوجه وصفاقته ما يجعله يعظ مستمعيه بضرورة الالتزام بالدين وضرورة تجديده. كان السيسي واقفا عن يمين شيخ الأزهر يتلمّظُ تلمُّظَ العطشان للمزيد من الدماء ويقسم –وهو كذوب حنوث- أنه سيقتل المزيد من المسلمين.

غير أنه في أثناء القسم يعود ليعظ المصريين داعيا الله أن يمطرهم بمائة مليار جنيه، بل طالبا منهم هم أن يدعو الله “فلا بد أن في هذا الجمع لسانا طاهرا ومساكين يستجاب دعاؤهم أكثر مني”. ثم يستنفر قدراته التمثيلية- وهي مكمن قوته- مستمطرا دمعة علّها تحبِكُ المشهد أكثر.. فتهتز القاعة بالتصفيق!.

أثناء الحفل، كنتٌ أرمق شيخ الأزهر -الذي يتمشى في عقده السابع- وأسأل نفسي كيف مَرَدَ على هذا الجو. فتذكرت أن الرجل لم يدفع في يوم من الأيام أي ضريبة من حريته أو مصلحته من أجل الدين الذي يمثل. إذ يقف الآن ويلتفت إلى 68 عاما يجرها وراءه، فإذا هي كلها خالية من أي تضحية، بل كانت أخذا من الأمة لا عطاءً لها، وعيشا على الدين لا عيشا له، واستخداما له لا خدمة له.

كنت أراوح النظر بين العسكري الواعظِ، الصفيقِ الوجه، وبين الشيخ العسكري المتمالئ وأتذكر تحذير الغزالي في الإحياء من علماء السوء و”أن شرهم على الدين أعظم من شر الشياطين؛ إذ الشيطان بواسطتهم يتدرج إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق”.
وقد حز الغزالي المفصل بقوله إن هذا النمط من الشيوخ معبر لانتزاع الدين من أفئدة الناس.

تصور شابا مصريا في مقتبل العمر يؤمن بقيم مثل العدل والحق ونصرة المظلوم، وأن الفيصل ما بين إنسانية الإنسان والحيوان هو التضحيةُ من أجل تلك المبادئ. ثم إن أهل هذا الشاب علموه أن شيخ الأزهر شخصية مقدسة تمثل أعلى قيم الدين الإسلامي. كيف لهذا الشاب بعد ذلك أن يحافظ على المزاوجة بين احترام دينه الذي يمثله هذا الشيخ القانع القابع، وبين القيم الإنسانية التي تضطرم نارها الأخلاقيةُ بين جنبيه؟

كان شيخ الأزهر – أثناء الحفل- جالسا كالطاوس، مستمعاً كالتمثال، مرتديا بزته كالشرطي، ناظراً -نظرة أحسستُها مثقلة بالحزن والصراع الداخلي- إلى السيسي وهو يتحدث. في هذه اللحظة رحمتُ الرجل، وردّدتُ قول الغزالي “مثلُ علماء السوء مثل قناة الحش: ظاهرُها جصّ وباطنها نتْنٌ، ومثل القبور ظاهرها عامرٌ وباطنها عظام الموتى”.
لكن ما لا يفهمه السيسي وشيوخ النفاق المتحلقين حوله عِزيِنَ أن المصريين يريدون حرية وخبزا ولحما، ولا يريدون منامات السيسي ولا دعواته الطالحة ولا أحاديث شيوخه.

لذلك لا يتنازع اثنان الآن من نُظّار المآلاتِ أن الدم المسفوح في مصر سيتنهي بقيام ثورة جياع تأتي على الأخضر واليابس، ولن ينفع السيسي حينها حلاوة منطقٍ ولا “فَلاترُ كلام” ولا أدعية ولا منامات.

فهذا الجيش الجائع المكبوت الذي تضج به شوارع مصر لا يمكن أن يظل هادئا ولا أن يستسلم لمواعظ النخاسين. ولعل المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في كتابه “الحرب والحضارة” عبر عن ذلك أحسن تعبير حين قال: “إن أوعظ الوعاظ لا يستطيع إقناع جائع بالتعفف عن أكل أول جيفة يمر بها إذا كان كلما طلب خبزا يُلقى إليه حجر”.
*المقال منشور بصحيفة التقرير بتاريخ 27 يوليو 2014

4 تعليقات to “بين نخاس البصرة ونخاس القاهرة”

  1. سهيل Says:

    موضوع جدير بالإرسال لعلماء الدين.

    لدي تعليق ععلى ذكرك “ثم إن أهل هذا الشاب علموه أن شيخ الأزهر شخصية مقدسة تمثل أعلى قيم الدين الإسلامي. كيف لهذا الشاب بعد ذلك أن يحافظ على المزاوجة بين احترام دينه الذي يمثله هذا الشيخ القانع القابع، وبين القيم الإنسانية التي تضطرم نارها الأخلاقيةُ بين جنبيه؟”

    ليس في ديننا شخص مقدّس ولاشخص يمثّل أعلى قيم الدين. نجلهم لعلمهم فقط، لا لدينهم. في الإسلام العظيم، قد يكون دين متشرد في أزقة موسكو أفضل من دين إمام للمسجد الحرام.

  2. mohamed.baba Says:

    جميل والله كنت متعطشا إلي كتاباتك وإلي رءاك لم أطلع علي هذاالموقع قبل هذه اللحظة. والله أخي الكريم هذه ظاهرة مريبه لأي عالم في أي مكان لأنه ينبغي. للعالم أوالشريف أو صاحب الضمير الحي أن لايبيع نفسه. مقابل دريهمات أوماإلي ذاللك..شكرا

  3. Bah Hmr Says:

    جميل هذا قطعا أمر يمكن لأي فرد يعي خطورة هذا النوع أن يجزم بأن مصر في أزمة خانقة لابد للشعب المصري أن يتحرر فيها من المعتقدات الباطلة االتي يجعلها معظم المصريين أداة لنصرة السيسي ومن أراد تقييم شخص وجب عليه أن ينظر إلى سلبياته وإيجابياته وأيهم يطغى على الآخر إن كانت السلبيات فهو سلبي وإن كانت الإيجابيات فهو إيجابي ولا أحسب السيسي ممن يمكن القول بأن لهم إيجابيات على مصر وفي الأخير هذا رأيي والله أعلم وأنا لست أدري

  4. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: