موت الجويش العربية

في صباح 14 من أغسطس من عام 2013، تحرّك رتل من المصفحات المصرية باتجاه نقطة وسطَ القاهرة. بدأت مصفحات الجيش المصري وجنودها يدكّون آلاف الخيم التي يتجمع داخلها عشرات الآلاف من المواطنين المصريين المطالبين باحترام قيم العدل والديقمراطية. وبعد إطلاق الرصاص الحي لساعة تقريبًا وسقوط مئات القتلى، كانت مجموعة من الجنود تحاول دخول أحد المستشفيات الميدانية، فاعترضتْ ممرضتان طريقَ الجندي ووضعتا جسميْهما درعا دون دخول الجنود من الباب، مراهنتيْن على أن بين جنبيْ الجندي قلبًا قد ينبض. كانت المفاجأة أن قلبَ الجندي نبض بالإنسانية، فتراجع.

نزل الضابط الذي كان يرقب المنظر من فوق دبابته وأشهر مسدسه مطلقًا النار على الممرضتين فسقطتا. ثم التفت إلى الجندي وأمره ورفاقه بالمرور على جثة الممرضتيْن والدخول إلى المستشفى حالًا. ومع تمكّن الضابط وجنوده من الانتصار على الممرضتين، فإن التاريخ قد أعلن تلك اللحظة موت الجيش المصري إلى أبد الآبدين.

لا يسمع الإنسان العربي منذ عشرات السنوات عن جيوشه إلا الهزائم، ولم تقدم له هذه الجيوش إلا المشانق والإذلال.
فقد تعرّف العربي على جيشه خلال العقود الماضية من خلال الصور التالية:

– ضابطٌ نحيل القسمات مهلهلُ اللغة مُتَكَلّفُها يظهر فجأة على شاشة التلفزيون معلنًا انقلابًا عسكريًّا وميلاد “ثورة”. ثم لا يلبث الإنسان العربي أن يكتشف أن الضابط الذي ألقى “البيان رقم واحد” ليس إلا ذئبًا في مسلاخ إنسان، ويجد أن جيشه الباسل ما هو إلا قيدٌ صمّم ليدمي معاصمَ العربيات، ويكبل أرجل نبلاء العرب الراكضين ليكون للأمة العربية مكان. تكررت تلك الصورة كثيرًا في سوريا والعراق والسودان ومصر واليمن والجزائر وموريتانيا وليبيا، بل تكررت صور منها في معظم ديار العرب.

– الصورة الثانية صورة الجندي العربي رافعًا راية بيضاء يساق إلى الموت وهو ينظر. صورة الجندي العربي النحيل البائس المنهزم يسوقه جندي إسرائلي واثق من نفسه، أو جندي أميركي ضخم الكراديس قويّ البنية منتصب القامة. ثم يرى العربي لاحقًا أنّ هذا الجندي الصهيوني يذلّه المقاومون الهواة في جنبات القدس، وأن الجندي الأميركي يتصدى له شبان البشتون في جبال أفغانستان، ويذله فُتوات الأحياء في الفلوجة؛ فيضع العربي في كراسته اليومية أن هذه ليست جيوشًا.
إن الجنود في المخيال الجمعي لأبناء الأمم الأخرى رمزٌ للعزة والكرامة؛ يستحضر المواطن صورهم مع أفعال إيجابية من قبيل الإنقاذ في اللحظات الكارثية، والانتشال من أماكن الخطر والانفلات الأمني في البيئات البعيدة عن الوطن ومقاومات العدو القادم من خارج خريطة الوطن.

– الصورة الثالثة للضابط العربي في ذهن مواطنيه أنه تاجر جشع يضايق الأمهات في أسعار حليب أطفالهن في البقالات، وينافس الحمالين البؤساء في أسواقهم بتجارته وشركاته وحماليه. فصورة الضابط-التاجر الجشع المنافس في السوق صورةٌ ثابتة يستحضرها العربي عندما يفكر في ضباطه ابتداءً بموريتانيا مرورًا بالجزائر وانتهاءً بمصر. حتى إن “دير شبغل” الألمانية نشرت تقريرًا عن الجيش المصري قبل عام، بدأته بهذه البداية الطريفة محاولة تقريب حالة الجيش المصري لذهن القارئ الألماني: “تخيل أنّ الجندي الألماني يقضي يومه يخيط الملابس ويبيع اللحوم ويحرس صالات الفرح بالليل”، ثم بدأت تفصل طبيعة تجارة الجنرالات التي جعلتهم يسيطرون على خمسة وستين بالمائة من الاقتصاد المصري.

– من مشاكل العربيّ مع جيشه أنه حطم صورة المقاتل العربي الباسل تاريخيًّا. فمع أن دارسي التاريخ كانوا يقفون حيارى لدى تحليل المعارك التي قادها العرب بدايةَ دخولهم التاريخ مع مجيء الإسلام، والفروسية العربية المرتبطة بالعربي الشّهم وفرسه العتيقة وصبره على مقارعة الأقران؛ فإن هذه الصورة بدأت تتبدد بسبب هذه الجيوش التي لا تتنصر إلا على العُزَّل في الساحات العامة، أو على المسجونين المكبلين في الزنازين المظلمة. لقد قضى هؤلاء على صورة العربي الشجاع لدرجة أنّك لو وضعت في محرك غوغل بالإنكليزية: “لماذا الجيوش العربية…” لتطوع المحرك لإكمالها “لماذا الجيوش العربية تنهزم؟”، وذلك لكثرة ورود السؤال بتلك الصيغة على المحرك. فلا تعرف محركات البحث عن الجيوش العربية إلا الهزائم.

– لقد غطت صور هذه الجيوش الهزيلة على حقيقة المارد الذي يعتمل في صدر البدوي. فلم يكن العربي يهزم، وإن فرّ فَلَهُ كَرة أخرى. ما كان العربي يرضى بالدون ولا الفرار من ساحات الوغى، وما كان الجندي العربي يرفع يده لصفع امرأة من نساء العدو؛ فكيف بقتلها في القاهرة وهي تعالج الجرحى؟

– يرتبط الجيش في أذهان الأمم المعافاةِ في أنظمتها السياسية بالتقدم التكنولوجي والاكتشافات العلمية وارتياد عوالم الإبداع الفسيح. فالأميريكي عندما يفكر في جيشه يتذكر إسهاماته في اكتشاف الإنترنت، وتطوير التكنولوجيا الدقيقة، وقُلْ نفس الأمر عن معظم جيوش العالم حتى الدول غير الحرة مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

– أما في عالمنا، فإن الجيوش العربية لم تكتشف وتطور غير تكنولوجيا “الكفتة”، وعلاج الأيدز بالكبدة؛ ممّا حولها إلى مسخرة تضحك الثكلى الحزون، ويقهقه لها الشيخ الزاكن حتى يخرج عن وقاره.

إن المتأمل في واقع العالم العربي البائس، وصورته الشائهة عالميًّا، ليعلم أنّ حضور الجيوش في السياسة من أهم مشاكل هذا العالم. لكن ما يطمئننا أن المتأمل في خلاصات التاريخ وشواهد الليالي يعلم أن هذه الجيوش قد ماتت، وأن الخوف منها قد تلاشى وأن عروشها آيلة إلى السقوط لا محالة. وما هزيمة جيوش المالكي أمام حفنة من الهواة إلا إعلان آخر أن النمر الورقي قد تهاوى، وأن الشعوب العربية لو كانت تعرف ضعف هذه الجيوش -عسكريًّا وقِيميًّا- لما لبثت في العذاب المهين.

رد واحد to “موت الجويش العربية”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: