وصية متخيلة للشهيدة أسماء البلتاجي

Imageتبدو خيوط الفجر تشق طريقها إلى ساحة رابعة العدوية في هذا الصباح الوضاء من خريف عام 2013. ألتفتُ يمينا فأرى والدي –محمد البلتاجي- إلى جانبي بعد ليلة ليلاء من الخطب الحماسية ختمها بركعات تجوّز فيهن قبل أن يستلقي مرهقا. أما أخي عمار فقد أرسل لي رسالة خاصة على تويتر يطمئنني فيها أنه في ميدان النهضة رفقة أمي.

تبدو رابعة هاجعة هادئة الآن بعد ليل طويل من الترقب المر والانتظار الحارق. فقد أعلن الجيش المصري في رسالة خلال الساعات الماضية أنه سينتقم لنفسه من كل الهزائم المرة التي تجرع على مرّ السنين. أعلن أنه سيتحرك تحت جنح الظلام ليغرز خنجره في خاصرة سيدة حاملة هاهي الآن تنام إلى جانبي في الجزء الغربي من ميدان رابعة. سيرسل جنوده الذين تدربوا كثيرا في المخابز والمسالخ (لم لا والجيش تحول إلى مؤسسة تجارية تستثمر في كل شيء وتسيطر على م40%100 من الاقتصاد المصري) ليهزموني وصاحبتي زينب التي أرمقها الآن تتحدث مع أمها التي ذهبت إلى البيت لتطبخ طعاما وتعود به بعد ساعة.. إن عادت.

رغم هذا الجو، ورغم كثافة اللحظة وتوترها فإني لا أشعر بأي خوف، بل لا أشعر بأي غضب تجاه جيش الهزائم الذي يرعد ويزبد. أشعر بالعطف والشفقة على أفراده وبحب طافح تجاه مساكينه. نعم! مساكين! مجموعة من الفقراء المسحوقين تقودهم دمى من الجنرالات المتخمة المشغولة بالحسابات السياسية.. والتجارية!

أعلم أني قد لا أحيا حتى أنهي هذه الأحرف.. لكني سأكب حتى آخر لحظة، فما يدريني أن هذه الورقة قد تبقى وسط الحرائق لتقع عينُ صحفي أو نبيل عليها فيوصلها للعالم مضمخةً بالدم تحكي عن قلب يحترق حبا للحرية، وعين ربيعية أضناها السهر حبا لمصر، ويد ترتجف لترسم معان يضيق عنها قلبي.

ما ذا لو قتلتُ؟ لن تكون نهاية الدينا حتما.. بل قد تكون القيمة الحقيقية لهذه الدنيا بالنسبة لي هو أن أموت هنا: فغدا ألقى الأحبة! محمدا وصحبه.

أعلم أن أبي وأمي سيبكياني طويلا… آه… وأخي عمار!

لا…

وصديقاتي… وأمهات صديقاتي!

نجوى قابلتها آخر مرة أمس قبيل المغرب بقليل. قالت لي وهي مندفعة وسط صفوف المعتصمين: مالك يا أسماء؟ هو بابا هنا؟ قالتها كأنها كانت تريد أن تقول شيئا ثم قررت فجأة أن لا تقوله…

ليت شعري ما هو؟

(لا بأس.. سأسلها غدا..)

أنا لا أتدثر عباءة المفكرة ولا ألعب دور الكاتبة..

لكني لا أشك أني أملك أحلاما كبيرة جدا لهذه الأمة المسكينة! نعم، لا أجد العبارات التي يرددونها في التلفزيون لأعبر بها عن أحاسيسي لكنني أحس معان عظيمة عن الحرية والتضحية والحق والعدل ولولا ذلك لما كنت هنا.. 

لقد كبرت وأنا أرى رجال الأمن يطاردان أبوي..

كنت أتعلق بملابس أبي كلما ذهب للمعتقل متسائلة:

لماذا تذهب يابابا إلى السجن؟ ولماذا لا يذهب عمّ إبراهيم والد صديقيتي إلى السجن مثلك بهذا الانتظام؟

كان أبي ينظر إلي بابستماته العريضة المملوءة ثقة خصوصا في لحظات الأزمات ويقول: عندما تكبرين سأحكي لك يا أسماء.

وها قد كبرت.

نعم، لكنه لم يحك لي.. لأني فهمت كل شيء دون أن يحكي لي..

..

لقد بدأ الهجوم..

تذكروني في أدعيتكم إن لم أكمل هذه…

10 تعليقات to “وصية متخيلة للشهيدة أسماء البلتاجي”

  1. محمد سالم حم Says:

    اللهم أغفر لأسماء لقدقرأت هذه الرسالة وأنا لا أعرف أسماء وأنتهيت منها وأنا أحب أسماء

  2. Tariq Akash Says:

    تحية من القدس يا اخي..ابداع
    ابكيتني

  3. يحي Says:

    اللهم ارحمها

  4. mbarka Says:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هكذزرع البلتاج وهكذحصدحب وحترام الجميع له رحم الله زينب

  5. cheikhna khyar Says:

    اللهم أغفر لأسماءهكذا زرع البلتاجي وهكذا حصد حب وحترام الجميع له

  6. السالم Says:

    رحمه الله تعالى فلقد عرفت معني الحياة وقيمة الحرية فوفقت

  7. loubna Says:

    Thanks so much
    http://sayidati-alarabiya.blogspot.com/

  8. رابعة Says:

    حورية وطن يا أسماء

  9. ساره Says:

    الله يرحمهك ويدخلك فسيح جناته

  10. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: