تركيا.. هل اصبحت الحرية ضحية النجاح الاقتصادي؟

لا يكاد يختلف اثنان في أن حزب العدالة والتنمية التركي ساهم في إنقاذ تركيا اقتصاديا، وإحياء روح ديقمراطيتها سياسيا. فالجهود Imageالمتدرجة التي بذلها الحزب للحد من نفوذ جنرالات الكمالية الذين ظلوا عقودا طويلة ممسكين بخيوط المال والنفوذ، والإنقاذ الاقتصادي الذي انتشل به البلاد من هوتها أمور يثمنها مراقبو الوضع هناك.

لكن اللافت أيضا أنه بعد عقد كامل من نجاحات تركيا الباهرة، بدأت أصوات ترتفع مشيرة إلى أن لنجاحات أردوغان وصحبه جانبا مظلما في مجال الحريات.

ويتمحور معظم النقد الموجه إلى حزب العدالة والتنمية في هذا الاتجاه على وضع الصحافة وحريتها. ولعل وقفة مع آخر تقرير للجنة الدولية لحماية الصحفيين يعطي فكرة عن هذه الأزمة.

حرب على الإعلام؟

فقد أصدرت المنظمة تقريرا حديثا عن “أزمة الإعلام في تركيا”، قالت إنها أعدته لإلقاء الضوء على “مطاردات الصحفيين واضطهادهم ومحاولة الحكومة تنفيذ سياسة تخلق جوا من الرقابة الذاتية داخل المجال الإعلامي”، حسب نص التقرير.

ثم يجزم التقرير أن “حكومة رجب طيب أردوغان تشن واحدة من “أكبر الحروب على حرية الصحافة في التاريخ الحديث”.

وهذا الجزم من لجنة حماية الصحافيين أمر يدعو إلى القلق. ومرد هذا القلق أن المتوقع من حكومة أردوغان هو أنها جاءت معلنةً بسط الحريات والتخفيفَ من قبضة المؤسسة العسكرية المشهورة بخنق الحريات. لكن الظاهرة التي أشار إليها تقرير اللجنة الدولية لحماية الصحفيين أصبح الحديث عنها دارجا في أدبيات الداعين لحرية الصحافة، ومنتشراً كذلك بين الدبلوماسيين الغربيين المقيمين في أنقرة.

لكن هذه الصورة التي رسمها التقرير لحالة الصحافة في تركيا تعارضها كل التصريحات العلنية لقادة حزب العدالة والتنمية ومؤيدوه، كما تبدو مناقضة منطقيا لسير النجاحات التركية الباهرة في مجال الاقتصاد والسياسة.

 لذلك يرى كثير من الدارسين لقصة النجاح التركية أن أردوغان وصحبه ساهموا في بسط الحريات وتقليم أظافر المحاكم التي كانت تضيق ذرعا بأي بسط للحرية أو انتشار لرأي مخالف. فقبل وصول الحزب إلى سدة الحكم في تركيا لم تكن الصحافة تعيش أفضل أيامها. بل يجزم وزير الشؤون الأوروبية في حكومة أردوغان إغمن باجيس بأن وضع الحريات عامة قد تحسن كثيرا: “فقبل عشر سنوات فقط، كان نطق كلمة “أكراد” في تركيا وحده كافيا لخلق المشاكل لأي مواطن. أما اليوم فهناك قناتان تبثان أربعا وعشرين ساعة باللغة الكردية والعربية”.

ويُرجِع كثير من الدارسين جذور جدل حرية الصحافة هذا إلى تمركز الطبقة المالكة للإعلام حول الحزب الحاكم ومحاولتها الإفادة من العلاقة به مما ينعكس سلبا على مهنية الصحافيين. “فولوع ملاك المؤسسات الإعلامية بالاحتفاظ بعلاقة ممتازة مع السلطة خلق رقابةً ذاتية على الصحافة أكثر مما خلقه أي تهديد مباشر قد يواجه الصحفيين. “

وإذا كان يمكننا تفسير خفوت الصوت الصحافي إلى تماس المصالح ما بين الحكام وملاك المؤسسات الإعلامية، فإننا لا يمكن أن نفسر وجود الصحفيين وراء القضبان بذلك.

إذ يستطرد تقرير اللجنة الدولة لحماية الصحافيين تفاصيل تثبت أن ستة وسبعين صحفيا موجودون خلف القضبان (حتى تاريخ 21 أغسطس 2012) وأن معظمهم ينتمون إلى الأقلية الكردية. ثم يشير التقرير إلى أن اللجنة استفسرت من الحكومةَ التركية عن هذا العدد الهائل من المعتقلين الإعلاميين واحدا واحدا، إلا أن الحكومة ردت بأن كل الصحفيين المذكورين اعتقلوا في ظروف جنائية لا علاقة لها بالعمل الصحفي نهائيا.

لذلك استغرب الصحفي التركي عبد الله بوزكورت، كيف وقعت لجنة حماية الصحفيين في الخلط ما بين صحفيين يؤدون عملهم وآخرون “أثبت القضاء عضويتهم في منظمات إرهابية”.

لكن اللجنة جزمت في التقرير الآنف الذكر أنها قامت بتحريات عن طبيعة الظروف التي اعتقل فيها كل واحد من هؤلاء، وخلصت إلى أن ستين في المئة منهم – على الأقل- اعتقلوا لأسباب ترتبط بعملهم مباشرة.

وبغض النظر عن الجدل ما بين لجنة حماية الصحافيين والحكومة التركية حول إثبات طبيعة المعتقلين الصحفيين وأسباب اعتقالهم، فإن تقارير أخرى كانت تواترت على أن حكومة أردوغان “اعتقلت خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من سبع مئة شخصية معارضة ما بين ضباط وصحفيين وملاك تلفزيونات وبرلمانيين وجامعيين”.

هذا العدد الهائل من المعتقلين جعل أصواتا كثيرة ترتفع في الغرب لائمة الحكومات الغربية-الأمريكية خصوصا- على سكوتها على ما يصفونه بمحاباتهم لحزب العدالة والتنمية رغم تضييقه على الحريات، مفسرين هذا السكوت بحاجة الغرب لوجود حليف في العالم الإسلامي يتمتع بشرعية دستوية.

ورغم أن الحالة التركية حالة ملتبسة نظرا لطبيعة الحرب الخفية الدائرة فيها بين غلاة الكمالية ودعاة الحرية إلا أن عدد الصحفيين المعتقلين يظل لافتا ومزعجا مهما كان المسوغ والداعي.

بين الخبز والحرية

يرجع الخوف لدى حراس حرية الصحافة في تركيا إلى أن تتجسّد في البلاد نزعة بدأت تنتشر خلال السنوات الماضية في دول أخرى. وهي نزعة التطور الاقتصادي الهائل في مقابل التضييق الخانق على الحريات. وهي نزعة جسّدت الصين وروسيا أوضح أنموذجين فاقعيْن عليها. فكلما ارتفعت مؤشرات النمو في ذيْنك البلدين وطالت قامتُهما في المحافل الدولية كلما ضاق مجال الحرية واتسع المحظور على الناس.

ويكمن الخطر في مثل هذه الحالات في أن نجاح الدولة في مجال الاقتصاد يخلق لدى الناس شعورا خدّاعا يغفر للحكومات خنقَ حرياتهم مقابل الرفاه الاقتصادي، حتى يتوهموا تعذر الرفاه الاقتصادي في ظل انبساط الحريات.

ويستدل الخائفون من تنامي هذه النزعة في تركيا بتصريحات صدرت عن رئيس الوزراء التركي، مثل طلبه من رؤساء التحرير“تأديب صحفييهم” إذا ما كتبوا عن القضايا العسكرية المرتبطة بالحرب مع حزب العمال الكردستاني. إضافة إلى ضيقه بأي نقد قد يوجه له من طرف أي كان في هذا الاتجاه. ولعل أشهر تصريحاته بهذا الخصوص السخرية اللاذعة التي وجهها للسفير الأميركي فرانك ركياردون عندما تحدث عن التضييق على الحريات في تركيا.

ومهما كانت المسوغات التي تقدمها الحكومة التركية – مثل اتهامها للصحفيين المعتقلين بالانتماء للتنظيم السري “إرغينيكون” المتهم بالتخطيط لإسقاط الحكومة- فإنها أمام تحد عليها تجاوزه. فمن المزري أن تتجاوز تركيا في اضطهاد الصحفيين – حسب تصنيف تقرير اللجنة المذكور- دولاً مثل إيران والصين وإريتيريا. ذاك أهم تحد على أردوغان وصحبه التعامل معه في آتي أيامهم.

رد واحد to “تركيا.. هل اصبحت الحرية ضحية النجاح الاقتصادي؟”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: