السرقات الأدبية هنا وهناك..

ذكّرت النخبة الإعلامية الأميركية أحدَ نجومها هذه الأيام، أن قواعد اللعبة لابد أن تحترم مهما تقدس الشخص وارتقى في عوالم النجومية البراقة. كلكم تعرفون فريد زكريا.
زكريا هو ذلك الشاب الهندي الذي  لا تدير ناظريك في الصحف الأميركية السيارة أو التلفزيونات المشاهدة إلا رأيته شاخصا أمامك. تذكرك ابتسامته العريضة وسحنته الداكنة ولكنته أنه مهاجر جديد. حصل الشاب الهندي الذي هاجر إلى الولايات المتحدة واستقر فيها على شهادة دكتوراه في العلوم السياسية من هارفرد، وتمكن من اختراق النخبة الإعلامية والسياسية بسرعة غير طبيعية. فتولى تحرير مجلتي فورين بولوسي، ونيوزويك، وترقى إلى أن أصبح كاتب أعمدة وصاحب برنامج جي. بي. أس. في قناة  سي. أن. أن. 

هل جاءكم نبأ العاصفة الأخيرة التي كادت تودي بمسار الرجل المهني في غداة واحدة؟
فقد لاحظ مدونون إنترنتيون أن الرجل أخذ فقرات كاملة وأفكارا في عمود له من مقال لمؤرخ يدعى جيم لوبور – مقال المؤرخ منشور في مجلة نيويوركر في إبريل الماضي- دون أن ينسبها إليه. ظهر عمود زكريا في العشرين من أغسطس الجاري بمجلة التايم. وبمجرد تأكد المعلومة لدى التايم سارعت إلى سحب المقال وإيقاف زكريا عن الكتابة. ثم قامت السي. أن. أن. مباشرة بوقف بث برنامجه الذائع الصيت “جي بي أس.” وأوقفته عن العمل لأجل غير مسمى. اعترف زكريا بالذنب وبجريمة السرقة العلمية بينما فتحتت سي. أن. أن. والتايم بحثا معمقا في كل ما نشر قبلُ للرجل ليتأكدوا أن الأمر ليس أعمق مما حصل.
 ثم عادت المؤسستان بعد تحريهما وقالتا إنهما لم تجدا سرقات سابقة، ثم سمحتا لدكتور هارفرد بالعودة للعمل، وهو يتصبب عرقا خجلا.
ورغم أن الصحافة الأمريكية نظرت بعين الريبة لسرعة طي الملف – وهو شك مبرر-إلا أن زكريا وجد نفسه في مأزق حقيقي رغم كل نجاحاته وعاش أياما صعبة شكلت له درسا حسب تصريحاته اللاحقة. عزا زكريا الأمر إلى خطإ بشري، وهدأت العاصفة.
تابعت الأمر وكنت أضحك ملئ شدقي عجباً، مفكرا في ثلاث نقاط.
الأولى:
كنت أقارن بين نظرة القوم للسرقات الأدبية ونظرتنا لها هذه الأيام. إذ ما زلت أذكر عندما كنت أعمل في إحدى الصحف العربية أن أحد الصحفيين العرب المرموقين العاملين في مؤسسة إعلامية كبيرة، قرر أن يكتب عندنا عمودا أسبوعيا. استقبلت أنا وزميلي –بوصفنا المسؤوليْن عن التدقيق في المقالات ونشرها- باكورة الصحفي المرموق فرأينا عجبا. فبمجرد أول استشارة لغوغل وجدنا المقال بحذافير مسروقا من كاتب عربي معروف مقيم في الولايات المتحدة. المقال منشور على الإنترنت وقد نسخه صاحبنا حرفيا حتى أنه لم يصلح أخطاءه المطبعية.
هاتفنا الصحفي  وصارحناه، فدافع بصلافة مدعيا أن المقال من بنات أفكاره، محتجا بأن “الشاعر يقع على  الشاعر كما يقع الحافر على الحافر”. ثم زارنا الصحفي في مقر الجريدة –وبراءة الأطفال في عينيْه- محاولا أن يعيد كرة الكتابة عندنا، لكننا رفضنا.
لكن مؤسسته لم تهتم بالأمر نهائيا، ولا أردي هل وصلها الأمر أصلا أم لا، نظرا لشيوع الأمر في عالما للأسف.
أما قصة “فقهاء الشريعة” الذين يسطون على أفكار الغير ليؤلفوا منها كتبا كاملة كتبا فهذا أمر شائع. دعك من الباحثين الذين يسلخون كتب الغير ولا يذكرون المصادر.
 الثانية: أن على كتاب هذا العصر ومؤلفيه أن يعلموا أن هناك آلاف المتابعين الأذكياء الذين يجيدون فن التنقيب، مستعدون لملاحظة أي جريمة أدبية والتطوع بالتبليغ عنها. فقد انتهى ذلك العصر الذي كان فيه الكاتب العربي يترجم أفكار الغربيين ويكبها بالعربية وينسبها لنفسه. فثورة النت قضت على كل ذلك.
الثالثة: أن هذا العصر يمكن أن يصبح فيه الرجل مطمورا ويمسي نجما، كما يمكن أن يمسي نجما ويصبح مطمورا. فالتقارب الفاضح بين أجزاء الدنيا، وطيران الخبر بالصوت والصورة والكلمة جعل الأعمار تطوى والمسيرات الأدبية تختصر في ساعات.
فمتى يفهم مؤلفونا وكتابنا ذلك ويتحروا قليلا؟

9 تعليقات to “السرقات الأدبية هنا وهناك..”

  1. Reader Says:

    اللهم استرنا بسترك الجميل

  2. الدويري Says:

    عدت يا أحمد والعود أحمد، اشتاق لك الكناش ومحبوه، وقد اعجبني ذات يوم استقالة وزير دفاع آلمانيا بسبب فضيحة أكاديمية لا تتجاوز أخذ فكرة من غير عزو لصاحبها. نسأل الله عفوه وستره.

  3. سيدي اليعقوبي Says:

    اللهم استرنا بسترك الجميل واسال ولد وهو مفتي الادباء برايي عن الموازنة بين حق العلم وووجوب ستر المؤمن فعندي الكثير من المثلة لسرقات ” لعمالقة ” في عالمنا العربي

  4. المختار محمد يحيى Says:

    الإنتحال (السرقة الأدبية) …. هذه الظاهرة منتشرة بكثرة في عالمنا للأسف … كان من المهم الإشارة إليها ولو من خلال هذا المقال المقتضب .. فجزاك الله خيرا عنا أخانا الأكبر والزميل الصحفي أحمد فال ولد الدين

  5. ابراهيم ولد حمادي Says:

    بوركت اخي احمد

  6. ناصر Says:

    إنها الطامة الكبرى

  7. zeinabo Says:

    السرقة عمل مجرم مهما كان نوعه أوشكله لكننا للأسف نتساهل أمام السرقات غير المادية وهي أشد ضررا وأقوى فتكا فبها تدمر عمل الغير لعقود وتبنى على أسسه . فشكرا لك على فتح الموضوع

  8. إبراهيم مختارعبد الله Says:

    ما أشرت إليه بخصوص ترجمة افكار الغير من اللغات ألأجنبية ونشرها كافكار وكمقالات شخصية للبعض يبدو انه التفسير المنطقي للكثير من الكتابات التي اتاصدف معها احينا وتبدو لي ميتتا لاروحا فيها رغم روعة بعض ألأفكار التي قد تتضمنها

  9. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: