المتدين العربيد!

الناظر نظرة سطحية للمجتمع الأمريكي يحسبه مجتمعا منحلا لا علاقة له بالقيم ولا بالأخلاق، خصوصا إذا ماقلب ناظريه في صفحات الجرائد والمجلات والحانات والملاهي الليلية المنتشرة هنا وهناك. لكن المجتمع الأميركي للذين يعرفونه حق المعرفة ويتجاوزون قشور الظاهرة الاجتماعية إلى عمقها، مجتمع متدين رغم هذه القشور التي تعيق البعض عن فهم أعمق للنفس المسيحية والبروستانتية على وجه الخصوص، وذلك ما دعانا إلى استكشاف أسباب هذاالتعارض الذي قد يتوهمه الإنسان المسلم.

لعل من الأدواء الفكرية التي تمنع الدارس من رؤية الآخر على حقيقته، إشكالية النظر إلى ثقافة بعيون أخرى. أو استصحاب مصطلحات وتصورات ثقافة عند تقييم أخرى. فالسبب الذي يجعل المسلمين مثلا يعتقدون أن المجتمع الأمريكي مجتمع بعيد كل البعد عن الدين هو أنهم ينظرون إليه من زاوية إسلامية محضة، ولا ينظرون إليه من خلال ثقافته هو، أو بعبارة أخرى،  كلمة “الدين” التي ننفي عنه  مترَعة بمعناها الإسلامي عندنا. فـ”الدين” في مخيلتنا يعني تفكيرا معينا ونمطا معينا يتعارض وأنماطا معينة أخرى. لذلك يصعب على الإنسان المسلم أن يرى أي علاقة أو تأثير للدين في الآخر  إذا كان هذا الآخر لا يوافق الصورة النمطية المسبقة للإنسان “المتدين” الثابتة في مخيلته المُترعة بالرؤية الإسلامية.

فمن الصعب أن تهضم عقولنا مثلا وجود الدين في بيئة يعيش أهلها ماهو معروف من عري وقمار وتفلت في جميع مناحي الحياة وينادون جهارا نهارا  بعلمنة الدنيا ونبذ الدين من الحياة العامة.

لكني أرى أن المسألة في جوهرها ترجع إلى عاملين مهمين جعلا النفس المسيحية تجمع هذا “التناقض” الغريب:

 

التوراة

التوراة موجودة ضمن الكتاب المقدس عند المسيحيين وتحتل حيزا مهما في صياغة فكر الإنسان المسحي،  وإليها ترجع جذور المسيحية. وأنت إذا قرأت التوراة ستلاحظ السبب الذي يجعل المسيحي ينظر نظرةً مختلفة إلى المعاصي. لنأخذ مثلا جريمة شرب الخمر أو الزنى. فهاتان الجريمتان محرمتان في الفلسفة المسيحية لكنك إذا قرأت التوراة ستجد أن هاتين المعصيتين اللتين أُمِر المسيحي العادي باجتنابهما قد ارتكبهما بعض الأكابر المأمور بالاقتداء بهم كالأنبياء مثلا ( وحاشا لله) وهذا مما سهل على المسيحي أن يجمع بين جنيبيه العابد والسكيرفي آن، وأن تنصهرشخصية المومس والطاهرة معا، حيث أن المؤمن يقرأ كل يوم أحدٍ قصصا عن أناس أمِر بالاقتداء بهم والنظر إليهم على أنهم قدوة، مثل آدم ونوح ولوط وداوود، ولكن في نفس الوقت يجدهم يقومون بأشياء أُمرَ كمؤمن أن يبتعد عنها. ففي سفر التكوين مثلا: (الإصحاح رقم 19 الأية من 30 إلى 38)” أن بنتي لوط سقتاه الخمر ومارستا معه الفاحشة” . وأن نوحا سكر ونام عُريانا ( الاصحاح 10 الاية 21.) وعليه فمن البدهي أن يتعمق في النفس المسيحية رغم تدينها عدم الاهتمام بهذه الأشياء حتى ولو كان الدين عموما يحرمها.

فلسفةالخلاص

لعل السبب الثاني لتجذر هذه الفلسفة هو فكرة الخلاص. فدائما ما يذكر القساوسة أن المتدين عندما يؤمر بفعل أمر أو ترك آخر  فإن امتثاله لهذاالأمرأ واجتنابه ذاك لاعلاقة له بدخول الجنة أو النار.  فالمؤمن بعيسى سيدخل الجنة لا محالة دون أي عوائق،  وإنماامتثال الأمر يعتبر نوعا من الشكر لله لأن الإنسان مادام قد آمن بالمسيح مخلصا فقد حصل علىالخلاص والانعتاق الأبدي. ولا شك أن فكرة كهذه تحد من مسؤلية الإنسان عن أفعاله  وتقضي عليه روحيا وتجعله يسرح ويمرح فاعلا ماشاء متكلا على الإيمان بالخلاص.

وانطلاقا مما رأينا  ينبغي عندما يريد المسلم أن يقيم تدين شخص ما أن لا يقع في خطإ تقييم تدينه” كمسلم” بل يجب أن ينظر إليه انطلاقا من ثقافته ودينه وإذا فعل ذلك يستطيع الحصول على صورة صادقة. أما النظر إلى ثقافة بعيون أخرى فهذا مايؤدي إلى الالتباس والوصول إلى نتائج خاطئة بعد بنيانها على مقدمات خاطئة.

ولعل من الصورالمعبرة عن أعماق النفس المسيحية مارأيته قبل سنتين مضتا حيث سمعت عاشقيْن يتناجيان وقد لعبت الصهباء برأسيهما أن موعدمهما الكنيسة غدا!! وذلك-  لعمري-  أكبر تعبير عن النفس المسيحية وطريقة تدينها ونظرها للدين!

* كتب المقال في يوليو 2004

7 تعليقات to “المتدين العربيد!”

  1. madsmed Says:

    أجد نفسي من باب التقيد بالعلمية منحازا إليك في أن النظر للآخر يجب أن يكون من حيث هو كما وكيفا لا من حيث نريده أن يكون أو نتقعه أن يكون.
    لككني لم استسغ تدليلك أو احتجاجك على صحة تدين القوم باتباعهم للتواراة، فأين هي التوراة حتى يتبعوها،، وانت خير من يعلم بزيف كل الكتب الموجودة غير القرآن الذي حفظ من لدن حكيم خبيرن وحتى المسيحيون أنفسهم يقرون بأن كل ما لديهم إنما هو مأخذ من أقوال بعض تلاميذ المسيح، ضف إلى ذلك التغيير الذي مورس وبشكل ممنهج على التوراة طيلة الزمن لتتماهى وتتماشى وروح الكنيسة وما يريدها القساوسة والرهبان.
    ثم إن إنه من غير المقبول ولو حتى من باب الانفتاح العام تدليل مسلم عالم بمقتضيات دينه خبير بما يتداوله غيره من كتب وأقاويل، من غير المقبول أن يدلل على صدقية تدين قوم من عدمها بل ويجيز لهم ارتكاب الفواحش لأنهم قرأوا عن أنبياء فعلوا تلك الـــ…. وأظن قبلي وقبل الكل لا تصدق ذلك ولا تؤمن به.
    فمن غير المنطق غيراد هكذا مبررات لتعليل فعل أولئك واستنباط تدينهم.
    وهذا يخلص بنا إلى عدم التدين الذي حاولت إصباغه عليهم لأن اللة أسست على باطل وذلك غير مقبول في لم ….
    يقال أكثر من هذا في مثل هذا، غير أنني أفضل أن لا أقول كل ما أعرف، وأن أختصر على أن أعرف جدا كل ما أقول.
    لك تحياتي.

  2. محفوظ ولد محمد خي Says:

    بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ستكون المراسلة بيننا دائما إنشاء الله على هاذ الإيميل …mahfou6@maktoob.com

  3. الدهاه ولد سيد محمد Says:

    السلام عليكم،
    أستاذنا الكبير لقد شدني عنوان مقالك فظننته يتحدث عن قومنا، فإذا به يتحدث عن قوم وراء البحر الأخضر.
    لماذا مثلا لاتتطرق للمتدين العربيد الذي ينتشر في شوارع مدننا وأسواقها: ألم تسمع عن ذلك الشيخ الكث اللحية أبي العيال الذي يترك ما استرعاه الله عليه من زوجة وأولاد تحت جنح الظلام بحثا عن الكواعب الأتراب.
    أو ذلك المؤذن أو الإمام الذي اتفقت فتيات الحي على نظراته الشاردة وغمزاته الخبيثة.
    ألم تحدثك إحدى السكريتارات عن الرجل التي امتدت إليها من ذلك الكهل الوقور.
    ألم تدخل محله في السوق وهو العائد لتوه من الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإذا به يبيعك ثوبا مغشوشا، أو نعلا ينقطع شسعه قبل أن تقطع الشارع المقابل.
    بالله عليك ماهي أسباب هذا التناقض ؟؟؟؟؟

  4. Sidahmed Lebghail Says:

    أجد نفسي من باب التقيد بالعلمية منحازا إليك في أن النظر للآخر يجب أن يكون من حيث هو كما وكيفا لا من حيث نريده أن يكون أو نتوقعه أن يكون.
    لكنني كنت أود أن تورد أمثلة أخرى أكثر قوة ليجد المعلق الأول نفسه من أبواب أخرى كثيرة منحازا إليك
    ما ذكرته عن زنا المحارم في “التوراة” – أضعها هنا بين ظفرين ليعي المعلق الأول جيدا ما ذا أعني بالتوراة – ما ذكرته قليل من كثير، إذ لا يكاد ينجو نبي في “توراتهم” من ارتكاب المعصية وخصوصا خطيئتي الزنا والخمر

    فالتدين عموما هو اتباع دين معين بما فيه من أفكار و…. بغض النظر عن صحة ذلك الدين من عدمها سواءا كان مسيحية محرفة أو حتى بوذية أو هندوسية، ثم إن تدين الأمريكيين أيضا نسبي، فلا يجب أن ينظر إليه من منظور إسلامي ولا حتى هندوسي، فالهندوس مثلا أكثر تمسكا بتعاليم الهندوسية بكثير من تمسك الأمريكيين بـ “المسيحية”
    ولكن تدين الأمركيين ينظر إليه في سياقه العام وهو السياق الغربي العلماني الذي لا يضع أي اعتبار للدين من الناحية التطبيقية فمثلا:

    لغة زعماء الولايات المتحدة لا تأتي من فراغ (“الحرب الصلبية”، “الحرب المقدسة” “ليحفظ الله أمريكا” “ليبارك الله أمريكا”…) وحتى الحروب الأمريكية على العراق وأفغانستان لا تخلوا من عنصر الدين بغض النظر عن الأهداف الظاهرة (المصالح الأمريكية والنفط) ، فمنذ السبعينات –لا أذكر التاريخ بالضبط- استحدث مقعد ثابت لرجل الدين في مجلس الأمن القومي ليدلي برأيه بخصوص الحروب التي تخوضها الأمة وما مدى علاقتها بالوعود الدينية

    في الولايات المتحدة نسبة الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين وكذلك الذين يذهبون إلى الكنائس يوم الأحد نسبة كبيرة جدا بالمقارنة مع الأوروبيين الذين تكاد تنعدم لديهم تلك النسبة
    عدد المنظمات التبشيرية في الولايات المتحدة وكذلك الأموال التي تنفقها حول العالم يتجاوز بكثير ما تنفقه أوروبا مجتمعة في نفس المجال
    تنوع الكنائس والمذاهب وكثرة رجال الدين ومنزلتهم الاجتماعية: أيضا لا مجال للمقارنة مع أوروبا
    فيكفي أنه في الولايات المتحدة هناك كنائس مبنية أساسا على فكرة الحروب وعودة عيسى عليه السلام والمعركة الأخيرة “هرمجدون” حتى أن إحدى تلك الكنائس تنظم رحلة سنوية لأتباعها إلى المكان الذي يعتقدون أنه ستقوم فيه الحرب الأخيرة الممهدة لعودة عيسى وهو هضبة في إسرائيل.
    في أمريكا مثلا تباع سنويا مئات الآلاف من الكتب التي تتحدث عن آخر الزمان والحروب المقدسة وهرمجدون وغيرها وغيرها … فما نتداوله نحن مثلا من قصص عن العلامات الكبرى للساعة والحرب مع اليهود وانتصارنا عليهم ونزول عيسى عليه السلام … يؤمن به الأمريكيين مع بعض التحريف ويشكل سوقا ضخمة للقساوسة ينتجون فيها سنويا مئات الكتب التي تتحدث عن كيفية حدوث ذلك، وهي كتب تباع منها سنويا مئات الآلاف من النسخ والطريف في الأمر أنني اطلعت على فكرة كثيرا ما نسمعها هنا في موريتانيا “فكرة توقف الحديد أي جميع الآلات، وعودة الإنسان إلى ما قبل التصنيع” نفس الفكرة وجدتها في أحد هذه الكتب ولكن هذه المرة مع كاتب انجليزي وليس أمريكي والكتاب بعنوان ” الحرب الشاملة 2006″ صدر في بريطانيا، عام 1999، للكاتب البريطاني (سيمون بيرسون) ، الذي شغل منصب ، مساعد رئيس أركان الحرب البريطاني لشؤون السياسة، وهذا الكتاب واحد من آلاف الكتب والأبحاث التي تدل فعلا على هوس المسيحيين بالتنبؤات انطلاقا من “الكتاب المقدس” وهذه فقرة من ذلك الكتاب:

    ****** وعندما تُقرّر السيدة رئيسة الولايات المتحدّة الأمريكية ، اللجوء إلى السلاح النووي الشامل ، تجد أن صلاح الدين ، استبق تفكيرها مرة أخرى ، إنّه انفجار السلاح الكهرومغناطيسي ، الذي طوّره ألمع ” علماء المسلمين ” ، ليُضيء السماء ليلا على امتداد المسافة ، من قبرص والإسكندرية ، حتى حدود الأردن والحدود السورية العراقية ، حيث يُطلق هذا السلاح الإسلامي ، نبضا إلكترونيا جبارا ينفذ من خلال كل شيء معدني ، في البنايات والأجهزة والعربات والدبابات والأسلحة ، وتكمن قوته في قدرته على تدمير ، الدارات الكهربائية المستخدمة في كل شيء ، من الترانزيستور والكمبيوتر والتلفزيون ، إلى أجهزة الهاتف والاتصالات ، وأنظمة المصانع والمختبرات ، وحتى الطائرات والأقمار الاصطناعية والصواريخ الموجّهة . خلال لحظة تحوّلت دولة التكنولوجيا الرفيعة ( إسرائيل ) ، إلى مجتمع العصر الحجري ، من دون معدات حرارة وإنارة وضخ مياه ونقل ، مُحاطة بجبل من الأدوات المعدنية والإلكترونية ، لعصر أصبح فجأة غابرا “********

    قد أكون خرجت قليلا عن الموضوع ولكن لا بأس، فما أريد قوله وبكل اختصار، هو أننا مهما بلغنا من ثقافة ومدنية وأيمان بالديمقراطية واحترام الآخر والانفتاح عليه والانبهار به، فإن عقيدة ذلك الآخر والذي أعني به هنا –الغرب- مبنية على كوننا العدو رقم 1 والعدو الدائم والعدو الحقيقي وذلك لسبب بسيط تم ذكره في آيات قرآنية واضحة لا اعتقد أنها من الظاهر حتى يصار إلى تأويلها أو من المجمل حتى يتم بيانها والله تعالى أعلم

  5. محمد عبد الله ولد أحظانا Says:

    أنت كاتب كبير تناول إشكالا عميقا في الثقافة الغربية قد لا يدركه الكثيرون من العرب والمسلمين .

  6. أحمد فال ولد الدين Says:

    أخي الكريم محد عبد الله
    لك كل الشكر على الكلمات التي لا نستحق. فمن عندكم جاءت الكتابة سيدي. كل الود

  7. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: