الشيخ الموسوعة

m-salemلعل من باب العذر الأقبح من الذنب أني انشغلت عن تحبير مشاعري حول وفاة العلامة عدود بمتابعة بعض التفاصيل التي تهم ساسة ( في جنوب إفريقيا) ينظرون إلى الأرض أكثر من نظرهم إلى السماء…لكنه الواجب والعمل وطبيعة الدنيا الشغول. غير أني عدت الآن إلى جوهانزبورغ، وهي فرصة لإفراغ بعض الدموع وتحميل سِنان القلم براكين من الألم والحزن ينوء بهما رضوى وثهلان.
فأنا لا أنتمي للجيل المجْدود الذي درس وتربى على أيدي عباقرة المحظرة الشنقطية واحتكّ بهم. ذلك الجيل الذي تعلم على يدي محمد يحي ولد الشيخ الحسين، ومحمد سالم ولد المحبوبي والإمام بداه ومحمد سالم ولد عدود. فأنا أنتمي لجيل تعيس اسمه “جيل التسعينيات”..وألتمس العذر من أتراب قد يزعجهم الوصف.
جيل بائس حائر. برز إلى الوجود فوجد التعليم مُعربا حينا ومفرنسا آخر، وشمسَ العلوم المحظرية قد بلغت الحائط…
جيل أفاق فوجد بقية العمالقة من أمثال عدود ينشدون:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم * وبقيتُ في خلف كجلد الأجرب!
لذلك لم أحتك بالشيخ..خلافا للجيل الذي قبلي..
كانت أول مرة أراه فيها في رمضان عام 1995. وكان ذلك في المسجد الجامع بنواكشوط  والمحاضرة عن “زوجات النبي صلى الله عليه وسلم”…فرأيت عجبا.
شعرت أن الرجل عاش أزمانا مديدة بين أخشبيْ مكة ولابتيْ المدينة واسترضع في بني مخزوم وبني أسد صدر الإسلام. إذ يحدث عن القوم حديث من خبر مدخلهم ومخرجهم وأنسابهم وطبائعهم..
كان يتحدث عن كل زوجة من زوجات المصطفى صلى الله عليه وسلم فيسلسل نسبها إلى أن تلتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم يثني بسبب زواجه بها والحكمة من وراء ذلك ولا يلقي بالا لما يقول “كأنه نفس من أنفاسه”.
اقتصرت المرات التي رأيته فيها بعد ذلك على لقاءات قصيرة أتخاطف معه الحديث سائلا أو مسلما أو ملتمسا دعاء في مكان عام..
لكنني أذكر جيدا متى اكتحلت عيني برؤيته آخرمرة. إذ كنت وأحد الأصدقاء صيف عام 2007 أمام مطار نواكشوط فرأينا الشيخ داخل سيارته وحيدا ينتظر قادما فهُرعنا وسألناه عن بعض المسائل اللغوية التي كانت تشغل بالنا أيامنا تلك..
كنا يومها نستقبل كل خطإ لغوي شائع نتعلمه كأنه “تحفة قادمٍ أو شفاء مريض”. فأردنا أن نسأل الشيخ عن ما بأيدينا من أخطاء شائعة. لكن الشيخ كان يحاول كل مرة أن يجد مخرجا صحيحا لكل كلمة نعرضها عليه ويردد: “خطأ مشهور خير من صواب مهجور”.
مصابي في الشيخ عدود مصاب مضاعف. فأنا أرى أن الثروة العلمية التي يتميز بها هذا المنكب البرزخي المنكوب إنما هي علماؤه. فهي الثروة الوحيدة التي يتميز بها كما أنها ثروة تستعصي على المصادرة من طرف عتاة أكلة المال العام.
رحم الله الشيخ عدود وبارك فيمن ورث حلمه وعلمه.
فإن ينقطع منكَ الرجاءُ فإنه * سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر..

16 تعليق to “الشيخ الموسوعة”

  1. السنباطي النبراسكي Says:

    رحم الله شيخنا عدود. والله إني تأثرت كثيرا عندما علمت بخبر وفاته، أشعر فعلا أن هذا الرجل يرمز إلى أشياء كثيرة جميلة. ومما اشتهر عنه عبارة لا أدري. وقد قال فيها الدكتور الحكمي في أرجوزة الآداب: (وقد أتى عن بعض أهل الفهم=من قال “لا أدري” فنصف العلم=لذا يقول شيخنا عدود=من هو في أعلامنا معدود = قبيل أن يشرع في الجواب = مربيا نوابغ الطلاب = العلم بينكم وبيني يقسم = حسن السؤال يا بَنِيّ منكم = نصفٌ، ونصفه لدي وهو أن = أقول: “لا أدري” رزقتكم الزكن)
    بورك فيك يا أحمد

  2. السنباطي النبراسكي Says:

    في حلقة خاصة بثها التلفزيون الموريتاني، كشف الشيخ الددو أن الشيخ عدود لم ينفق على أهل بيته قط من راتب الدولة، بل كان ينفق عليهم من القرض. ففي بداية كل شهر كان يقترض من الناس حتى يصرف على أهل بيته، ثم يسدد الدين الذي عليه من راتب الدولة؛ فقد كان يرى أن راتبه فيه من الشبهة ما فيه، وأن هذا قد يؤثر سلبا عليهم، بينما في المقابل يجوز قضاء الدين من مال الشبهة إجماعا. ألم أقل أنه كان يرمز إلى أشياء جميلة؟!

  3. أحمد فال ولد الدين Says:

    أخي أبا أحمد..
    أقدر فيك كثيرا اهتمامك بأعلام الشناقطة، فرغم أنك تسكن أقصى بلاد الروم (نبراسكا) إلا أنك مطلع على دقائق المسيرة العملية في موريتانيا..وأود أن أعترف هنا أنك أول من أخبرني برحلة الشيخ عدود للعلاج في إسبانيا..
    وهذا أمر يدل على تعلقك بالصالحين وحبك لهم..
    فبروكت أبا أحمد

  4. Rajjalah_Speaking Says:

    بوركت

  5. medaad Says:

    ليس عندي شيء أضيفه إلا أنني وددت أن أقول إني أتابع مدونتك باستمرار من خلال رابط الخلاصات.. ولا أبلغ شاهق إضافة تعليق ههنا.. فالشكر لغة رخيصة رغم وجوبه..

    كل التقدير لفكرك ولمشاركتنا إياه..
    نايثن..

  6. الشيخ Says:

    السلام عليكم ورحمة الله

    أشرك ايها الاخ الفاضل علي مقالاتك الرائعة

    بارك الله فيك أستاذنا “هَدَال”

  7. عبد الله ولد عبد القادر الزعتري Says:

    بوركت وجزيت خيرا
    أنا وسيلمى بيننا يكبر الخطب فلي عندها ذنب وعندي لها ذنب
    هل تذكر؟

  8. أحمد فال ولد الدين Says:

    أخي الزعتري..
    حياك الله وبياك..
    “فعندي لها ذنب ولي عندها ذنب”
    لغيري صبت حتى صبوت بغيرها..كلانا على مقدرا طاقته يصبو
    رحم الله زمانا كنا فيه ننظر إلى الدنيا بعيني حالم لا يعرف تعقيدات الحياة
    لك تحياتي

  9. tvz Says:

    THANK U VERY DEEPLYYYYYYYYYY

  10. jamal.hama Says:

    salma alokma 4ak jamal ol hama mne angoola 00244921473347 =00244933666366 thank

  11. moftahmoftah Says:

    اخي الكريم محمد فال انا دائما اعود الي كناشك عندما تحاصرني الوحده باحثا عن نديم ينشدني بيتا من القريض اويتحفني بكناية او استعارة وقد تذكرت استدلالك علي حالك في احد المرات ببيت من الشعر لما تشبهه حالتي
    اه لمغترب في الغرب ليس له جنس وان كان محفوفا باجناس
    فشكرا لك علي المجلس الشنقيطي الشيق
    محمد مفتاح سيد القوم درامن النروج

  12. أحمد فال ولد الدين Says:

    شكر الله لك أخي محمد،
    شد يديك على روائع الأدب العربي وعش بينها ولن تضيرك الغربة بعد ذلك.
    لك كامل ودي.

  13. ابو سعاد Says:

    موت العالم ثلمة فى الدين سيما اذا تعلق الامر بمن قل نظيره, رحم الله عدود واسكنه فسيح جناته

  14. عبد الله ولد أحمدو أنكولا Says:

    لسلام عليك أخي العزيز أنت لاتعرفني لكني أنا تعرفت عليك بمقالاتك وقصاصاتك الرائعة هذه وشدني إليها أسلوبك الأدبي السهل الممتنع أشكرك من كل قلبي وهنيئا لنا جميعا بحريتك بعد سجن دام شهر كنا نتشوق لكتاباتك فيه فلاتبخل عليناونحن في انتظارك

  15. عبد الله ولد يسلم Says:

    أولا أقولك أخي العزيز الحمدلله على سلامتك،لقد ذكرتني اليوم بشيخي لمرابط محمد سالم ولد عدود ليس لأني نسيته فهو عصي على النسيان ،لقد كان الشيخ كما رأيته أول مرة عن قرب صيف عام 2008 وأنا قادم لتوي إلى تلك المحظرة الجميلة إم القرى أوأم القرى بضم القاف وكسره وقورا بشوشا رحيما بطلابه، قدرلي وأنا الذي كان أبي رحمه الله من أشد المحبين لآل المبارك أن أدرس على الشيخ قبل أن يشتد عليه المرض فيمازحني بقوله وقد كنت أقدم بين يديه بعض أبيات إبن مالك وبعبارة جميلة (ماهو بعدإلى إخرف العكريش اتخصر انت ألفية ول مالك)والعكريش هو الحاضرة التي كنت أقضي فيها عطلتي الصيفية هذا خيط من فيض الرجل طيب الله ثراه

  16. أبو الفحفاح Says:

    أبوالفحفاح

    لا شلت يمينك أستاذنا الفاضل و لا عميت عينك و جزيت عنا كل الخير على ما تتحفنا به
    من حين لآخر من روائعك اللألاءة النادرة

    تحياتي و تقديري

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: