إشكالية المركزية المشرقية

لعلَّ من أطرف الصدمات التي يُفاجأ بها المغاربي عندما يحتك بإخوته المشارقة، هو إشكالية «المركزية المشرقية» التي يبدو أنها تُسيطر على أذهان أغلب المثقفين العرب في الجزء الشرقي والأوسط من العالم العربي. ومن الطرائف أن هذه المركزية أحسها المثقفون المغاربة منذ القدم، وليست وليدة العصر الحديث.
إذ يذكر ابن بسام الأندلسي (ت 542) في كتابه «الذخيرة في محاسن الجزيرة» أن الأديب البغدادي أبا علي القالي (ت 356)، صاحب الأمالي، كان يستغرب ثقافة أهل الأندلس، ويعجب من قرائحهم، لأنه كان يحسب أن الأدب واللغة من خصائص أهل المشرق. وكان يحسب أن كل شبر يبعده عن بغداد يُقصيه عن العلم والفكر والأدب. يقول أبو علي القالي: «لما وصلتُ القيروانَ وأنا أعتبر من أمرُّ به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في الغباوة وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، حتى كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصة ومقايسة». فالرجل يعتقد أن كل بلدة أبعد غربا، أبعد عن الثقافة والعلم والفهم. وأنا أعتقد أن هذا الشعور مازال قائما لدى بعض المثقفين المعاصرين وقد حصلت لي طرفة في هذا المجال.
زرت فرنسا عام 2006، وانتهزت فرصة زيارتها فاتصلت بأحد الإخوة المثقفين المشارقة وطلبت منه أن أجري معه حوارا للصحيفة التي كنت أعمل فيها. فما كان منه إلا أن قال لي على الهاتف: «موريتانيا هذه ليست من دول الوسط… هي هناك في الأطراف.. بإمكانك الرجوع إلى بعض المقالات التي نشرتها على الإنترنت». فقطعت الاتصال، وكبَّرتُ أربعا على أمة يُقيِّم مثقفوها الناسَ والمجتمعات على بعد منازلهم أو قربها منهم.
والظاهر أن سبب هذه النظرة إنما هو غياب الاحتكاك المباشر، أو الانكفاء السلبي على الذات. فأبو علي القالي عندما استقر في الأندلس صدم لأن أهلها أكثر ثقافة وأعمق فكرا من المنطقة التي جاء منها في ذلك الوقت. يقول ابن بسام: «فبلغني أنه كان يصل كلامه (السابق) بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم ويتغطَّى عنهم عند المباحثة والمفاتشة ويقول لهم: إن علمي علم رواية وليس بعلم دراية».
وحتى أن مغاربياً آخر هو أحمد بن الأمين سافر من موريتانيا بداية القرن العشرين، وكانت موريتانيا يومها من أعمر بلاد الأرض بالأدب واللغة، وكان من العيب في كثير من مناطقها أن الرجل العاقل مثلا لا يحفظ معظم أشعار الجاهليين وديوان الحماسة، إضافة إلى مجال تخصصه الدراسي. وكان ابن الأمين جالسا يوما مع أحد الأدباء في مصر فبدأ يحدثه عن انتشار الأشعار في شنقيط، وبدأ ينشده نماذج منها فصدم الأخ المصري. يقول أحمد بن الأمين في مقدمة كتابه الوسيط: «وقد أخبرتُ بذلك بعض أدباء المشرقيين فاستغرب ذلك ظنا منه أن الآداب العربية لا يتصف بها غير الأقطار المشرقية»، فانزعج ابن الأمين وألف كتاب «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» من ذاكرته، وهو يتضمن 5000 بيت من أشعار أهل موريتانيا كتبها من حفظه، وترجم لـ 82 شاعرا اعتمادا على ذاكرته فقط، حتى أصبح مضرب المثل عندهم وإن كان أمثاله في موريتانيا يعتبرون أشخاصا عاديين.
والظاهر أن هذه المركزية المشرقية كانت حاضرة بقوة في بعض المناسبات المعاصرة. فعندما كون العرب بعض التجمعات الحديثة التي تمثلهم، غلب طابع «المركزية المشرقية» على تلك الهيئات، ابتداء من طبيعة قوانين الجامعة العربية وانتهاء بقوانين التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
لكن المفاجأة التي لا يعرفها الكثيرون، أن الحواضر المغاربية بدأت تتقدم على نظيراتها المشرقية في المجال الديمقراطي والثقافي والاستقرار السياسي، دون أن ينتبه الإخوة المشارقة إلى ذلك أو يحاولوا الاستفادة منه.
فهل نستيقظ من سكرة الانغلاق ونستفيد من تجارب إخوتنا مهما تناءت بهم الدار، أم أن إشكالية المركزية ستكون لعنة مسلطة علينا تقف عائقا سميكا يحرمنا من الكثير مما نحن في أمس الحاجة إليه في هذا الزمن العربي العجيب؟
* العرب القطرية 24/إبريل/2008

5 تعليقات to “إشكالية المركزية المشرقية”

  1. محمد أحمد بابا Says:

    أولا / سلام من ربي عليك بعدد ما بين ينبع وجنوب أفريقيا ..
    ثانيا/ أعجبني جداً وراق لي للغاية تسمية مدونتك (بالكناش) فكم هو اسم عتيق جديد معبّر ..
    ثالثاً / أثلج صدري وسرّ خاطري مقالك هذا عن المركزية المشرقية التي يعاني منها عالمنا العربي ، رغم أنهم يعلمون بأن من المغاربة بل جلّ المغاربة في الثقافة أبرع والميدان أسبق وفي العلم أعمق وكثير من رموز الإبداع الحاضر الحاصلين على جوائز شرقاً وغرباً أغلبهم من مغربنا العربي ..

    ألف تحية لك أستاذي الفاضل وتقبل سلام من قضى وقتاً هنيئاً في كنّاشك الفاخر العظيم ..

  2. alanany Says:

    أهلا بك : بداية أحييك علي رقي مدونتك ورقي الطرح بها أما يتعلق بما طرحته عن المركزية المشرقية فثمة تخصيص مضر بهذه الحالة .. ان الثقافة العربية في مجملها تعيش حالة انكماش لصالح روافد ضيقة ، فاصبحنا نسمع ناهيك عن المشرق والمغرب عن الثقافة الخليجية والشامية والمصرية والامازيغية والدرزية والكردية الخ ، لم يعد الامر مقتصراً علي المشرق والمغرب فثمة ما هو أفدح وله علاقة بالسياسي

    أشكرك

  3. خالد ابن الوليد khaled ibn elwalid Says:

    تحية كبيرة لك أخي ولكل المثقفين الموريتانيين لأنهم حقا مفخرة للمغرب العربي

  4. صالح م ح Says:

    مقال قيم يبحث واقعا حقيقيا
    وحسب ما يبدو لي فإن دولا معينة تحتكر الثقافة ويسعى مثقفوها ودكاترتها وما اكثرهم الى حجب الثقافة المغاربية عن باقي اقطار العالم العربي للاستئثار ببعض الامتيازات
    الا ان هذه الظاهرة بدأت تتكشف فإخواننا في الخليج وخصوصا المعتنين بتحصيل العلم في بحث دائب على النت عن كل ماألف في شنقيط والمغرب والقيروان والاندلس كما ان لفيفا كبيرا من العلماء والاساتذة الجامعيين والقضاة حطوا رحالهم مؤخرا بهذه الربوع وبدأو ينشرون فيها علمهم ومعارفهم ليكتشف المشرق من جديد ألق ثقافة الجزء الغربي من العالم العربي
    أعتقد أن العامل الجغرافي و 8 قرون من حكم الاسلام في الاندلس شاركت كثيرا في رفع مستوى الفكر المغاربي على نظيره المشرقي المعتمد على الرواية والنصوص
    كماأن نواة فن الفتيا والقضاء والوثائق وضعت في المغرب العربي ولااستبعدأن تكون قوانين اروبا الوضعية قداعتمدت عليها كثيرا
    والعلماء المالكيون يدركون جليا هذا التفوق فيقول النابغة الغلاوي ناظما الكتب المعتمدة نور البصر للهلالي واعتمدوا ما رجح المغاربة الخ

  5. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: