نبوءة برنارد لويس

برنارد لويس

برنارد لويس

في إحدى العشيات الجميلة بولاية فرجينيا، وبُعيد الحادي عشر من سبتمبر بعدة أشهر، دعا نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني جمعاً من أقرب المقربين إلى إدارة بوش لعشاء خاصّ في بيته. كان من بين الحضور (والعهدة على مجلة تايم الأميركية) نواب في الكونغرس، وبعض المفكرين المختصين في قضايا الشرق الأوسط. إلا أن أبرز المدعوين ذلك المساء كان المستشرق البريطاني العجوز برنارد لويس. وما إن التأم الجمع، حتى طلب تشيني من برنارد لويس أن يلقي محاضرة عن ثلاثة أشياء: القرآن، والإسلام، ونظرة المسلمين لأميركا. وتذكر المجلة أن تشيني كان حينها منشغلاً بتثقيف نفسه عن «الإسلام والمسلمين»، كما كان منشغلاً بضرورة إقناع إدارة بوش بغزو العراق.
ويعتبر برنارد لويس أسنّ مستشرق في عالم اليوم، فقد أناف على التسعين. وقد بدأ حياته المهنية في الاستخبارات البريطانية إبّان الحرب العالمية الأولى، إلا أنه تفرغ بعد ذلك لدراسة التاريخ والفكر الإسلاميين، ويعمل الآن أستاذاً بجامعة برينستون الأميركية. ولويس هو أول من نحت مصطلح «صراع الحضارات» عقداً من الزمن قبل صمويل هنتنغتون، وهو من أبرز العقول المنافحة عن إسرائيل في الحقول الفكرية في ديار الغرب.
بدأ لويس محاضرته أمام ضيوف ديك تشيني ولخص فكرته قائلاً: «إن مشكلة المسلمين مع أميركا هي أنهم ينتمون إلى حضارة عريقة، فهم يلتفتون إلى الماضي فيروْن أنهم كانوا دائماً في المقدمة، أو على الأقل أنداداً لنا. لكن ميزان القوة قد تغير لصالحنا، وهم لا يريدون أن يخضعوا لنا نظراً لتلك العوامل التاريخية». ثم ينهي حديثه بالوصفة التي يقترحها لتغيير نظرة المسلمين للغرب ولأنفسهم قائلاً: «الخطوة المثلى هي غزو العراق.. دخول بغداد واحتلالها هو الذي سيهزم المسلمين نفسياً، ويقنعهم أن الدنيا قد تغيرت. فما دامت بغداد هي مهد قوتهم ورمز جبروتهم التاريخي، لأنها كانت مركز الخلافة، فإن إخضاعها واحتلالها سيؤدي لاستسلامهم وهزيمتهم نفسياً». وعلقت المجلة قائلة: «وعليه، فيمكن القول إن احتلال العراق ما هو إلا اختبار لمدى فاعلية نظرية برنارد لويس».
واليوم، وبعد أربع سنوات من احتلال بغداد، وإقامة الجنود الأميركيين «بين الرصافة والجسر»، وبعد عام من لفّ حبل المشنقة، أمام عدسات الكاميرات، حول رقبة آخر رئيس للعراق المستقل، نود أن نتساءل: هل كانت نظرية برنارد لويس صائبة؟ وهل كسرت نفسية العرب والمسلمين؟
أعتقد أن الإجابة هي بالنفي والإثبات في آن.
إذ يبدو أن نظرية لويس كانت فعالة على المستوى الرسمي العربي. فقد كاد بعض زعماء المنطقة العربية يموت فَرقاً بعد رؤيته لصدام حسين بوجهه الشاحب وشعره الثائر، ووِلْدان الجيش الأميركي يفتشون فمه بطريقة مقززة. لقد وصلت الرسالة إلى هؤلاء الزعماء، فها هو صدام الذي كان أقواهم زنداً وأكثرهم تمرداً تقع عاصمته بكل سهولة، ويقع هو بعدها بقليل. ولعل المشهد الثاني، وهو مشهد الإعدام، قد أكمل الصورة، وأوصل الرسالة بصفة أكثر وضوحاً. لذلك بدأ الزعيم الليبي معمر القذافي بخطوات عاجلة، فأعلن عن «توبة نصوح» من أي مغالبة للغرب، كما قام بتهذيب لغته وتخلى عن طموحاته النووية. والشيء نفسه فعله بشار الأسد، فقد ابتلع على مضض حقيقة أن إسرائيل ضربت بلاده بصواريخ قبل فترة، لكنه لم ينبس ببنت شفة. وعموماً، فقد ازداد الزعماء العرب قرباً من الولايات المتحدة وهذبوا لغتهم تجاهها كثيراً. كما أن إيران بدأت تهذب لغتها «وأوقفت برنامجها النووي العسكري عندما دخلت القوات الأميركية العراق» كما يقول تقرير الاستخبارات الأميركية.
لكن يبدو أن «نظرية لويس» قد تحطمت على صخرة الشعوب التواقة بالفطرة إلى الاستقلال. فقد انتفض العراقيون على الاحتلال، وما زالت الشعوب العربية والمسلمة تنظر لأميركا بنفس النظرة السلبية التي كانت تنظر بها إليها قبل احتلال بغداد.
ولعل الاحتجاجات الأخيرة التي عمت جميع أصقاع العالم الإسلامي تعاطفاً مع أهل غزة تعتبر دليلاً على أن نظرية لويس لم تجد طريقها إلى ذهن الإنسان المسلم والعربي العادي. ولعل صمود أهل غزة اليوم، هو أكبر رد على نظرية برنارد لويس.

* نشر بجريدة العرب القطرية

6 تعليقات to “نبوءة برنارد لويس”

  1. sallory Says:

    معك مئة في المئة سيدي الفاضل بالنفي و الإثبات اللذين * سميتَ

    *(على الهامش : ترددت لوهلة , عند وضعي لهذا الرد في كتابة الإسم الموصول – اللذين- أو أكتبها اللذان , و ذلك صراحة لأسلوبك في الكتابة في جميع مقالاتك و نشراتك هنا و جمال إستخدامك للغة العربية الجميلة أصلاً و ألفاظها الجزلة هو ما أرهبني لتلك الوهلة من أن أخطئ في الكتابة )
    :)
    تحية مسائية

  2. أحد متابعي الكناش Says:

    شكراً لك أستاذ أحمد ، مقال كإخوته جميل شائق ممتع .

    لا شلت يمينك ” بفتح الشين ” :) ….

    أقتبس هذه الجملة التي أحسنت تصوير الحال

    ” … لذلك بدأ الزعيم الليبي معمر القذافي بخطوات عاجلة، فأعلن عن «توبة نصوح» من أي مغالبة للغرب …. ”

    جميل …..

  3. أحمد حدو Says:

    كل ما تكتبه شيق ورائع من.مقالات وتقارير في قناة الجزيرة في قطر

    والله يحفطك

  4. محمد بيشى Says:

    انت كنز من كنوز وطنك ومفخرة موريتانيه حقيقيه . يبهرنى مزاجك . انت الافضل

  5. المسافر Says:

    سواء كانت امريكا ذهبت بنبوءة ام ذهبت برسالة00لقد ذهبت بالفعل واقحمت نفسها في مستنقع لن يكون الخروج منه بتنجيم منجم ولاتكهن كاهن لقد كانت مسامع العالم يملؤها المتشدقون بالحقوق والقوانين والحريات للافراد والدول وسقط القانون الدولي وهيئاته قبل ان يسقط تمثال صدام 00 لقد قراْكل الحدث حسب مايفهمه ويجيده رءاه عبدة الكراسي والمناصب والمتجانسين معهم في التخلف والقعود سوقا الي الموت وهم ينظرون فهم غير ماْهلين للدفاع عن حرمة او الذود عن مسكن وراْته الشعوب المسلمة تجديدا لبيعة لا يقيلون فيها ولا يستقيلون(ان الله اشتري من المؤمنين 00) واْعاد التاريخ نفسه و بعث هلاكو من جديد فهل كان ين الامس واليوم من خلاف

  6. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: