المعارضة المصرية.. فرار يوم الزحف

kefaya_egyptدائما ما أقف حيرانَ أمام الوضع المتأزم في جمهورية مصر العربية، فرغم أن بدايات «التحديث» العربي انطلقت من هذه الدولة، ورغم أن أول تلاقحٍ ثقافي معاصر بين الشرق والغرب (البعثات الطلابية بداية القرن 19) حصل فيها كذلك، فإن الأوضاع فيها جدُّ مأساوية ولا تبشر بكبير خير، فالوضع السياسي فيها يتأرجح بين رئيس يحاول توريث ابنه السلطة في نظام جمهوري، وبين معارضة عاجزة لا تتقن إدارة «فن الشغب» وقواعد التغيير. وبين هذا وذاك، يبدو المواطن المصري فريسة لأباطرة المال ودهاقنة الرأسمالية المتوحشة.. وجنون الأسعار.


إن معظم المجالات في مصر –للأسف- تسير القهقري.. ابتداء من المجال السياسي وانتهاء بالشأن الثقافي والفني.. لكن آخر فصول «عجائب مصر» تلك، هي خذلان المعارضة لجماهير الجياع التي حاولت أن تضرب يوم 6 أبريل الجاري. فقد أرادت هذه الجماهير أن تنزل إلى الشوارع بعد أن هدّها الجوع وأعياها الحصول على رغيف خبز يسد الرمق، وأضناها تسويف السلطة.
لقد صُعقتُ وأنا أتابع مواقف بعض أقطاب المعارضة المصرية -بما فيها الإخوان- من التظاهرات التي قررت بعض النقابات خوضها، وأحسستُ أن هذه «النخب» المعارضة تسدد سهم خيانة نافذا إلى ظهر كل مواطن جائع يحاول أن يحتج لانتزاع حقه السليب.
لكن الحقيقة المؤسفة هي أن الترهل الذي يعاني منه النظام المصري تعاني منه المعارضة كذلك.. وإلا فلماذا لم تنتهز هذه المعارضة لحظة غليان الشارع المصري لتُسِّير تظاهرات متزامنة مع مواكب الجياع التي اشتبكت مع الشرطة في شوارع بعض المناطق المصرية؟ لماذا لم يخرج كافة زعماء المعارضة وكوادرها إلى الشوارع ويدخلوا وسط الجياع ويشاركوا في تلك الإضرابات؟ ولماذا تركوا حركة «كفاية» عارية الظهر دون نصير؟
يحزُّ في نفسي أن جماعة الإخوان المسلمين، التي ظلت تحمل همَّ المواطن المصري، بدأت تسري إليها عدوى «الجمود والتقوقع» التي تعم مصر كلها. فقد وقفت الجماعة موقفا متوجسا من هذه الإضرابات، حتى أن أمينها العام، محمود عزت، سوّغ عدم مشاركة الجماعة في تلك الإضرابات بالقول: «إن الفكرة لم تُطرَح على الجماعة من الأساس، وإنما سمعنا عن هذا الإضراب من جهاتٍ مختلفة، وكل الدعوات التي وُجِّهت إلى الجماعة لم نعرفها إلا عن طريق وسائل الإعلام، ولذلك فنحن لا ندري ما الهدف من هذا الإضراب؟ ولماذا اختيار هذا الوقت له؟ وما آليات تنفيذه؟ وهل هناك تنسيق أم لا؟».
فإذا كان الإخوان المسلمون لا يعرفون «ما هو هدف الإضراب» -والناس يَصلوْن نار الجوع- ولا يعرفون «لماذا تم اختيار هذا التوقيت بالذات»- والوضع السياسي محتقن- فمعنى ذلك أن المعارضة المصرية أصبحت تتقاطع مع السلطة في نظرتها للأحداث وموقفها منها.
فهل نفهم من خذلان بعض أقطاب المعارضة المصرية لهذا الإضراب أن النظام في مصر نجح في تدجين جماعة الإخوان وغيرها من أقطاب المعارضة؟
أحسب ذلك، فرغم أن فكرة الإخوان المسلمين-مثلا- انطلقت من مصر، فإن نجاحات هذه الجماعات كانت خارج الحدود المصرية. أما النسخة المصرية منها فقد جمدت وتدجنت وانطبعت بالطابع المصري العام خلال العقود الماضية. لقد فقدت روح المبادرة وأصبحت مسكونة بالخوف من المجهول، ولعل توجسها من احتجاجات أبريل آخر دليل على ذلك.
كان يمكن للمعارضة المصرية أن تركب ثورة الجياع لتقودهم للتغيير الذي يحتاجه المصريون، لكنها للأسف تقاعست لحظة الزحف، وتركت الجياع يواجهون لهب الشرطة ولهيب الأسعار دون تغطية سياسية أو إعلامية.
رحم الله أبا الطيب المتنبي:
«وكم ذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا»!

رد واحد to “المعارضة المصرية.. فرار يوم الزحف”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: