أزمة الغذاء أو عام الرَّمادة

sunbulaفي سنة 18 للهجرة عانت منطقة الحجاز سنة شهباء عرفت في التاريخ الإسلامي بعام الرمادة. فعرف الناس ضروبا من القحط الماحق والجوع الشديد، حتى قال ابن الأثير في تاريخه: «واشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس». وفي مطلع الألفية الثالثة، وبعدما أن ازينت الأرض وظن أهلها أنهم قادرون عليها، ها هو شبح الجوع يخيم في الأفق مهددا البشرية كلها، لا أصقاعا متناثرة هنا وهناك.
لكن الفرق بين عام الرمادة السالف وعام الرمادة هذا أن أهل الحجاز حينها كان يحكمهم أمير رحيم اسمه عمر بن الخطاب. أما اليوم، فإن العناصر المحركة للتاريخ يلعب بها أباطرة قدت قلبوهم من حديد. والسؤال الشاغل: ما هي أسباب هذا الجوع المخيم؟
يرجع المراقبون الاقتصاديون أزمة الغذاء هذه إلى عدة عوامل يلخصها الاقتصادي الأميركي المرموق بول كروغمان (نيويورك تايمز 7/4/2008) في أربعة أشياء:
• زيادة الطلب على اللحوم نتيجة ظهور طبقات غنية جديدة في بلدان مثل الصين والهند. فهذه الملايين أصبحت قادرة على أن تشتري اللحوم بكثرة، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على الحبوب واللحوم ومن ثم الحبوب.
ومن المعلوم أنه من أجل إنتاج قطعة من لحم البقر تحتوي على 100 سعرة حرارية، لا بد من استهلاك 700 سعرة حرارية من الحبوب مثلا.
• الزيادة المسعورة في أسعار البترول. فالمزارع المعاصرة أصبحت تعتمد على التكنولوجيا في كثير من جوانبها (بدءا بالنقل البري والبحري، وانتهاء بالأجهزة المستخدمة في الحقول)، مما يزيد تكاليف الزراعة، ويربطها بأسعار البترول المحلقة.
• حبس المطر من السماء عن أجزاء واسعة من المعمورة، مثل أستراليا التي تعتبر ثاني مصدر للقمح عالميا. إذ تعاني أستراليا من جفاف ماحق منذ 9 سنوات.
• الاحتباس الحراري الناتج عن هلع البشرية وإقبالها المفرط على التصنيع.
لكن اللافت بالنسبة لي أن معظم هذه العوامل ناتج عما كسبت أيدي الغربيين على وجه التحديد. فما يستهلكه ألف إنسان في الهند من الطاقة، يستهلكه مواطن أميركي واحد مثلا. لقد بدأت البشرية كلها تدفع ضريبة هذه «الحضارة النهمة» التي طبع بها العالم قرنا من الزمان.
وقد كان الناس في الماضي يعظمون الأغذية وينظرون إليها على أنها نعمة من الله، ويسمونها في كثير من البلدان الإسلامية بـ «النعمة» ولا يهدرونها مهما كثرت.
وما إن تصدرت «حضارة الأشياء» الركب البشري، حتى دخل البشر في سباق محموم لحشو الأفواه وملء البطون مما أدخل العالم في هستيريا التسوق والتسلع والتبضع والتصنيع والتكرير، إلى أن أطت الأرض وحق لها أن تئط، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
لكن السؤال الأهم هو: هل ستنجلي هذه الغمة قريبا؟
يكاد المراقبون يجمعون على إجابة متشائمة. فالدول المنتجة للحبوب بدأت تفرض قيودا تمنع تصديرها حتى تتمكن من سد حاجاتها المحلية البحتة. أما أسعار البترول فإن معظم المؤشرات تدل على أنها لن ترجع القهقرى في المدى المنظور.
وإذا كان ذلك كذلك، فإن فقراء دول العالم ستصبح عالة على أغنياء لن يفعلوا ما فعله عمر بن الخطاب عام الرمادة.
يقول ابن الأثير: «وأقسم عمر أن لا يذوق سمنا ولا عسلا ولا تمرا حتى يحيا الناس».. وكان يقول: «كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم».
إن المراحل الصعبة في حياة البشرية تحتاج إلى الكثير من الرحمة والتكافل. لذلك أوقف عمر بن الخطاب حد السرقة عام الرمادة لعلمه أن الناس إذا جاعوا لا بد أن يحتالوا ليأكلوا. أما قادة اليوم فإنني أخشى أن يقتلوا شعوبهم خشية إملاق إذا ما بدأت أزمة الغذاء تتسع يوما يعد يوم.

رد واحد to “أزمة الغذاء أو عام الرَّمادة”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: