رحماكم.. معاشر الخطباء!

الخطيب الصغير في غزةمن عادتي كلما حططتُ رحلي في مدينة جديدة أن أتفقد بعض الأماكن الضرورية التي لا أستغني عنها. لكن أهم تلك الأماكن التي أبحث عنها بتؤدة واهتمام مسجد يتمتع بخطيب جمعة يمكن الاستماع إليه دون أن يضيف إلى قلبي أوزارا مثل أوزاره. خطيب جمعة يملأ القلب إيمانا ويحيي الأشواق الربانية في قلبي كلما وجهت وجهي شطر مسجده غداة الجمعة. وعندما وصلت الدوحة قبل أشهر، كان العثور على ذلك الخطيب من أصعب المهام التي واجهتني كالعادة.
قمت باستشارة أحد الأصدقاء النابهين الذين قَتلوا الدوحة جيئة وذهابا («وما يقتل الأرضين إلا خبيرها») قلت لصديقي: «دلني -بربك- على خطيب جمعة يهز القلب ويحرك كوامن النفس، فأنا رجل مبتلى بسوء الطالع في اختيار الخطباء». رد زميلي بالقول: «لقد سألت عن عظيم، ولقد عانيت قبلك الأمرين، وأحسبك تبحث عن «بيض الأنوق» -كما تقول العرب- لكني سأدلك على خطيب رائع لأن خطبته لا تتجاوز 10 دقائق. بعدها تجد نفسك حرا طليقا في هذه الشوارع الفسيحة».
وبدأت عميلة التنقل بين المساجد بحثا عن خطيب يملأ علي فراغ 30 دقيقة يجب أن أقضيها منصتا مصغيا (من حرك الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له).
المحاولة الأولى كانت مع خطيب متوسط الحال، لا هو ممن يعذبونك ويجلدونك بالسياط الحامية، ولا هو ممن يحلّق بك إلى ملكوت الله فيملأ قلبك روحا ورحمة. وتجاوزته في الجمعة التي تليها باحثا عن الأفضل. كان صاحبنا الثاني من ذلك النوع الذي يخيل إليك أنه يتحدّى قدرتك على اليقظة! يتكلم بصوت خافت نحيل، يكاد يتناغم مع صوت المكيف مما يجعلك تُسلم الروحَ إلى باريها في نوم عميق لا يقطعه إلا صيحة الجالس جنبك «آمين»… وقد بدأ الدعاء عند نهاية الخطبة.
إن الجمعة فرصة نادرة لتنوير العقول والقلوب، لكنها مهدرة في معظم البلاد الإسلامية نتيجة غياب التكوين اللازم للأئمة والخطباء.
تخيلوا أن مسجدا يؤمه ألفا شخص يوم الجمعة، وأن أحد هؤلاء الخطباء الذين ليس لديهم ما يقدمونه اعتلى المنبر وأضاع 30 دقيقة في الحديث أمام هذا الجمع!!
النتيجة هي أن 1000 ساعة ضاعت من أعمار أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) رغم أنها كانت فرصة نادرة لاستثمارها بما يعود على الأمة بالخير الكثير.
أذكر أنني حضرت خطبة في مسجد بالعاصمة نواكشوط، وفي نهاية الخطبة بدأ الرجل يدعو الله لأحمد بن طولون أمير مصر! وقد حدثني أحد أصدقائي أنه حضر خطبة إمام يحذر الناس من أن هولاكو أغار على بلاد ما وراء النهرين.
لماذا لا نعود إلى مساجدنا ونعتني بإعداد أئمتنا حتى نتنهز فرصة خطبة الجمعة لتحريك قدرات الشباب وإعادة الأمة إلى جادة الطريق.
إن العقلية المادية التي انتشرت في العالم الإسلامي وحتمت على الطلاب الأذكياء التوجه للتخصصات العملية بدل العلوم الإنسانية، جنت أيما جناية على الدراسات الإسلامية. وهذا ما نحسه في كثير ممن يتصدرون للعمل كخطباء.
لقد أرّقني موضوع الخطبة منذ سنوات، وأشكر للشيخ سلمان بن فهد العودة حديثه عنه أمس الأول، فهو موضوع حساس وهام، وكثيرا ما يتجاهله المتحدثون خوفا من تبعات الحديث عنه.
وأنهي حديثي بطلب أوجهه لكل إمام: رجاء، إذا لم تكن قد حضَّرت جيدا للخطبة فامننْ على المساكين الجالسين أمامك بخطبة لا تتجاوز ثلاث دقائق، يرحمْك الله.

6 تعليقات to “رحماكم.. معاشر الخطباء!”

  1. س. ولدرابهادي Says:

    ابوركت مقال رائع ، وموضوع في غاية الأهمية…
    ولكن صف لي بربك، ماهو شعورك إذا حضرت خطبة طويلة عريضة من إمام لا يحسن العربية، و إذاقام إلى الصلاة صلا ركعتين و أردفها بأربع، فلا تستبين أهذه جمعة أم صلاة ظهر…

    تقبل الله منا جميعا، و أرشد أئمتنا إلى احترام مخاطبيهم، والتخفيف عليهم

  2. صديق Says:

    مقال رائع – كعادة كتاباتك – و موضوع دقيق الأهمية!
    يذكرني مقالك بإحدى أعذب صلوات الجمعة التي شاءت لي الأقدار أن أؤديها في بعض الأماكن النائية من بقاع الأرض. كانت الخطبة بلغة لا أفهم منها سوى بضع كلمات هامشية. لكن كانت تتخللها من حين لآخر آيات مرتلة ترتيلا يبرز جهدا و عزيمة على التغلب على اللكنة، و يترك لا محالة، أثرا في مخيلة السامع.
    فلربما تكون ضالتك، عزيزي هدال، في أقاصي مدينة بيكين الصينية. و عندها سنرى هل يبقى للمتنبي من مكان في ذاكرتك!

  3. محمد االعاقب ولد التراد Says:

    موضوع في غاية الاهمية والطرافة والجدة _كعهدنا بكتاباتك_ ولكن قل لي بربك ما رايك ب(خطيب) يستفتح خطبته وينهيها بضرورة مجاهدة النصارى ومن ناصرهم والشيوعيين ومن شايعهم واليهود ومن هاودهم بالسيف والرمح والسنان امام حشد من الكهول الفانين (لا يستطيعون ضربا في الارض) والشاب محدودي ان لم يكونوا معدومي الفقه و المتحمسين لكل ما فيه (جهاد) .ما رايك لو اعتقلت السلطات امثال هؤلاء الخطباء بتهمة التحريض؟شخصيا لا ارى ما نعا

  4. أحمد فال ولد الدين Says:

    أخي الكريم محمد العاقب، أشكر لك تشريفك لي بالمرور بهذه امدونة المتواضعة.
    صحيح يا أخي!
    والله إن معاناتي لكبيرة كلما سمعت الخطيب يتفوه بالعبارات التي ذكرت من دعاء في غير محله واغتصاب لعبارات منبتة عن شروطها الموضوعية.
    نورت مرة أخرى

  5. خطيب Says:

    الاح احمد فال رحماك رحماك بخطاء جمع الدنيا اننا نقتطع من وقتنا ما تؤدون به فرائضكم ونعلم ان اعينا تراقبنا وءاذانا تستمع الي ما نقول ويتربص بنا الكثير من من لا هم لهم الا ان ننزلق في متاهات نعلم نحن عمقها لقد وعظناكم لو كنتم تتعظون وارشدناكم لو تسمعون بلغتم سن الرشد وبلغنا نحن سن الشيخوخة انرنا لكم الطريق و خاطبناكم بما تفهمون لقد حاولنا قدر ما نستطيع نطيل خطبنا فيخيل الينا انما نضرب علي ءاذانكم في المسجد ونمدح لكم النوم ولك ان تبعث فيهم الحياة لتعلم اي الحزبين احصي لما لبثو امدي
    ونتجاوز الاطناب ونشيرالي المعاني فتتناجون ان اثما فعلنا و عدوانا

  6. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: