شعراء البنتاغون

نشرت صحيفة نيويورك تايمز نهاية نيسان (ابريل) الماضي، تحقيقا مطولا كشفت فيه دور الايادي الخفية للبنتاغون في وسائل الاعلام الامريكية. وأوضحت الصحيفة، بالوثائق التي حصلت عليها بحكم قضائي، كيف ان الكثير من المعلقين الذين يظهرون امام الرأي العام الامريكي بوصفهم محللين محايدين، انما هم حفنة من المرتزقة يدفع لهم البنتاغون مبالغ مالية ليبثوا آراءه ومواقفه من الحرب الدائرة في العراق، وفي اطار خطة دقيقة ومدروسة. وأثناء قراءتي لهذا لتقرير المطول، ظلت ترن في أذني عبارة سمعتها من احد الادباء قبل فترة.فقد كنت أجري مقابلة مع أحد الأدباء الموريتانيين وكان متحمسا أشد الحماس لأبي الطيب المتنبي. فقلت له: ان ما يزعجني في ابي الطيب مع حبي له كثرة مدحه وتزلفه للأمراء . فنظر الي الرجل شزرا وقال: يا أخي.. إن ما تقوم به مؤسسات من قبيل الاندبندت سي. إن. إن. إنما هو المدح والهجاء المبطن . وظلت العبارة ترن في أذني كلما لمحت أيادي أباطرة المال والسلطة تلعب بخيوط الرأي العام في الدول الغربية التي تدعي عصمة الاعلام فيها. ان الفرق بين شاعر القبيلة في الجاهلية الذي كان يقوم بدور المنافحة عن نسب القبيلة وحسبها وتصرفاتها، وبين وسائل الإعلام التي تخدع وتروج للحروب انما هو الوسيلة ودقة المأخذ لا غير! لقد فضحت الحرب علي الارهاب كل الدعايات التي كانت المؤسسات الغربية تتشدق بها، واتضح ان الكثير مما كان يخدع به الأغمار والسذج ـ من أمثالنا ـ انما هو مجرد مصطلحات تلوكها الألسن للاستهلاك، لا عقيدة حقيقية يبذل في سبيلها الدم ويراق علي فواتها الدمع. ولعل نظرة سريعة علي آخر تقرير لهيئة (Project for Excellence in Journsalism) والتي تهتم برقابة الاعلام، يوضح مدي خداع الاعلام الامريكي لمواطنيه خصوصا في ما يتعلق بالعراق. فعندما كان المحافظون الجدد يحاولون اقناع الرأي العام الامريكي بضرورة غزو بغداد، كانت التقارير عن العراق وسوء الوضع فيه و استبداد ديكتاتوره علي الشاشات علي مدار الساعة. اما هذه الأيام، فإن الاهتمام بما يدور في العراق قد غاب عن الشاشات التلفزيونية الامريكية غيابا شبه كامل. اذ يشير التقرير الي ان التغطية الاعلامية للحرب في العراق اصبحت تمثل نسبة 03% الاسبوع الماضي مقارنة بـ 25% في ايلول (سبتمبر) 2007 . (نيويورك تايمز 26/5/2008). ويضيف التقرير انه بعد شهادة ديفيد بتراوس عن الحرب في العراق امام الكونغرس الامريكي انخفضت التغطية الاسبوعية الي 4 دقائق اسبوعيا بدلا من 30 اسبوعيا في ايلول (سبتمبر) 2007 . هذه التغطية المنخفضة راجعة الي ان الاعلام لا يريد ان يشعر الامريكيين بالفشل بعد خمس سنوات من الوعود الزائفة. كما انه يمكن ان يكون لخطط البنتاغون ـ كما علمتنا وثائق نيويورك تايمز ـ ضلع في ذلك ايضا. ويشير التقرير الي ان المؤسسات الاعلامية الامريكية تعامل الصحافيين الذين يذهبون هذه الأيام الي العراق معاملة سيئة اذ تقوم بخفض مكافآتهم بنسب غير منطقية كما فعلت محطة سي. بي.إس مع الصحافية كيتي كوريك وفريق عملها، فقد خفضوا مكافآتهم المالية عندما زاروا العراق الي أقل مكافأة تلقوها منذ 20 سنة (نيويورك تايمز 26/5/2008). أما في العام 2002 ـ 2003 فقد كان الذهاب الي العراق وتغطية أخباره أقصر الطرق الصحافية لكسب المال في أمريكا. فما الفرق ـ بربكم ـ بين شعرائنا المداحين وشعرائهم؟

* منشورة بالقدس العربي

رد واحد to “شعراء البنتاغون”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: