الأميركيون وهوس القوة

«قد نبقى في العراق ألف عام أو حتى مليون سنة.. المهم أن نقوم بترويض هؤلاء العراقيين المزعجين، تماما مثلما روضنا الكوريين والبوسنيين واليابانيين». هذه الكلمات النارية لأوفر المتسابقين حظا إلى البيت الأبيض: المرشح الجمهوري جون ماكين (مقابلة مع مجلة موثر جونز Mother Jones).
كان أول ظهور لجون ماكين على المسرح السياسي في سبتمبر عام 1983 عندما ألقى خطابا في مجلس الشيوخ يحذر فيه حكومة ريغان من إرسال القوات الأميركية إلى لبنان، خلافا لرأي الحزب الذي ينتمي إليه، مما أكسبه سمعة «الحياد والجرأة»، تلك السمعة التي لا زالت تصاحبه حتى اليوم. فقدرة الرجل على التحرر من عباءة حزبه هي التي جعلت الكثير من غير المنتمين حزبيا يصوتون لصالحه. لكن ما هي حظوظ الرجل في النجاح؟
أعتقد أن الرئيس القادم للولايات المتحدة لابد أن يكون جون ماكين أو باراك أوباما. فالعقل الجمعي الأميركي النزاع بطبعه لتقديس القوة، سيختار أحد هذين الرجلين القويين. فقوة أوباما تتمثل في أنه تعالى على جراح بني جلدته وبني ذاته بتضحياته حتى تخرج من أعرق جامعات أميركا، وبزغ في سماء السياسة في ظرف قياسي دون أي معين أو ممهد. هذا الانتصار الممثل للحلم الأميركي يسحر العقلية الأميركية، ويجعل الكثير من الشباب يتعلق بذلك الشاب الأسمر الذكي الطموح.
أما ما يسحر الأميركيين في جون ماكين، فهو أنه يمثل نموذج «الفتوة» في مخيلة رعاة البقر. فقد حمل الرجل قبل عقود من الزمن بندقيته على ظهره وقاتل في فيتنام بشراسة حتى سقطت طائرته ووقع أسيرا في أيدي الأعداء، وتعرض للتعذيب أثناء اعتقاله ذلك. وعندما قررت فيتنام إطلاق سراحه لأن أباه كان ضابطا ساميا، رفض الخروج من الأسر إلا إذا أطلق سراح كافة الأسرى الأميركيين.
هذه الخلفية «القتالية» تجعل الرجل مهيبا في قلوب الكثير من الأميركيين، خصوصا أولئك الذين نجحت الآلة الإعلامية في إشعارهم بأن «الإرهاب الإسلامي» سيتخطفهم لا محالة، وأنه جاثم في الأفق وقادم يوما من الأيام.
أعتقد أن هذا الرجل القوي سيكون أكثر شراسة وظمأ للحروب من جورج بوش. فقد صرخ قبل فترة أمام جمع من مناصريه بولاية فلوريدا قائلا: «دعوني أكن صريحا معكم.. الحروب لن تنتهي، بل سنشن حروبا جديدة.. إن أمامكم حروبا كثيرة.. يؤسفني أن أقول ذلك، لكن هذه هي الحقيقة». ثم إن قاموسه مثقل بمصطلحات الحرب والصدام، حتى أن مذكراته التي كتب قبل فترة كانت بعنوان: «شيء يستحق القتال». ثم إن كل المجد والاهتمام الذي ناله يعود إلى سجله العسكري القتالي، مما يجعله مرتبطا نفسيا بعقلية الصدام والنزاع باعتبارهما الطريق المثلى للخلود. يقول في مذكراته: «لقد كنت دائما أجد الحفاوة في وسائل الإعلام الأميركية نظرا لأني سجين حرب سابق».
يبدو أن الأميركيين سينتخبون هذا الرجل العسكري للأسف. وإذا ما تم انتخابه فاعلموا أن منطقة العرب والمسلمين حبلى بأحداث غير مبشرة. لقد أرسل الرجل إشارات خطيرة. فقد زار الرجل العراق قبل أيام، وأكد من جديد على أن الاحتلال سيستمر، كما أعلن من عمان أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.
كان بإمكان ماكين أن ينتظر حتى يصل إسرائيل ليعلن ذلك، لكنه أعلنها من الأردن ليؤكد على حقيقتين: أولا أنه لا يقول ذلك مجاملة لإسرائيل بل عن إيمان واقتناع. وثانيا ليؤكد أنه لا يعير رأي العرب ولا المسلمين أي اهتمام.
فهل سيأتي اليوم الذي نتمتم فيه: رحم الله بوش ما أعدله؟ لا أشك في ذلك في حالة انتخاب ماكين.

* منشور بجريدة العرب القطرية

رد واحد to “الأميركيون وهوس القوة”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: