القوة والدين..والسباق إلى البيت الأبيض

لعل أكثر عُنصريْن فاعلية في تغيير مجرى التاريخ وصنع أحداثه عبر العصور هما القوة والدين. ويبدو أن الدين سيكون عاملا رئيسيا هذه المرة عند اختيار رأس أقوى دولة على ظهر البسيطة أيامَنا هذه.
تُشير الإحصائيات إلى أن أميركا تنفق سنويا 46% من مجموع ما ينفقه العالم على التسلح، كما أن الدراسات تثبت أن 46% من الأميركيين يذهبون إلى الكنيسة كل أحد، مقابل 12% فقط في دول أوربا الغربية. مما يعني أن الترسانة العسكرية والحماسَ الديني قد تحالفا على الجانب الغربي من الكرة الأرضية، وأن أصابع المحافظين الجُدد بدأت تتسل إلى مخازن الأسلحة الهائلة التابعة للبانتاغون. ولعل طبيعة خطاب مرشحي الرئاسة الأميركية لانتخابات العام المقبل تؤكد ذلك.
فالمرشح الجمهوري الشهير، جون مكين، يخوض حملته تحت شعار: ” أميركا أمة مسيحية”، حتى أنه سبق وأن صرح قبل أشهرٍ خَلتْ أن الرئيس الأميركيَّ “لايمكن أبدا أن يكون غير مسيحي”. كما أن المرشح ميت رومني اضطُر تحت ضغط هستيريا الحديث عن “نوعية تدين الرئيس” إلى إلقاء خطاب حماسي بعنوان “الإيمان في أميركا” دافع فيه عن محاولة عرقلة وصوله إلى البيت الأبيض لأنه لا ينتمي إلى طائفة البروتستنت التي مَردَتْ على حكم الولايات المتحدة، مؤكدا أنه يؤمن ببنوة المسيح لله- في محاولة دالَّةٍ لتسحين صورته لدى الناخب الأميركي. (هذا المرشح ينتمي لطائفة المورمان).
وليس الديمقراطيون عن لوثة تأثير الدين ببعيد. فقد بدأت تُثار أسئلة جادة عن مدى صلاحية المرشح الأسمر، باراك أوباما، لقيادة أميركا “لأن أباه كان مسلما من كينيا، واسمه “باراك” يرجع في جذوره إلى اللغة العربية”!.
وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو(Pew Research Center) مطلع العام الجاري أن “أسوأ صفةٍ يمكن أن يتَّسِم بها الرئيسُ لدى الناخب الأميركي هي “أن لا يكون مؤمنا بالله”.
إلى جانب هذا الخطاب الدينيِّ المُتوثب، هناك أيضا نزعة عسكرية توسعية تُميز خطابَ المتسابقين إلى البيت الأبيض لعام 2008.
إذ يبدو أن كل مرشحٍ لابد وأن يبرهن على أن له نزعةً عسكرية قادرة على دحر التطرف الإسلامي. “إننا أمام عدو خطِرٍ يُخطط في جميع أصقاع الدنيا كيْ يهاجمنا ويقتلنا داخل أوطاننا”، بهذه الكلمات ذاتِ النبرة الحادة يخوض عمدةُ نيورك، رودي جولياني، حملته لكسب ثقة الناخبين الجمهوريين.
أما المرشح رومني فقد وقف يوم 6/ديسمبرالجاري – وعن يمينه بوش الأب- بملئ شِدقيْه: “إن أميركا تواجه خطرا ماحقاً من إسلام العنف الراديكالي …إنني لن أسمح لمسلم أن يكون عضوا في إدارتي في حالة انتخابي رئيسا”، إلا أنه عاد ونفى أنه نطق بهذه العبارة الأخيرة. لكنه صرح يوم 15/ديسمبر قائلا: “هناك من يدعو للإغلاق كوانتنامو..ولكن في الواقع، يجب أن نوسع سجن اكوانتنامو”.
هذا الجو الانتخابي الدينيُّ المشحون، يُلحَظ كذلك من خلال عناوين غير تقليدية بدأت تظهر في افتتاحيات كبريات الصحف الأميركية: “2008 سنة الرب” (نيويرك تايمز 22 يولويو)- “معضلة الإيمان”( نيويورك تايمز 7 ديسمبر)- “الحرب الأميركية المقدسة” (نيوزويك 8 ديسمبر).
ليست النزعة الدينية جديدةً لدى المواطن الأميركي ولا لدى سياسييه. لكن الجديد هو كثرة الحديث عن ضرورة “تدين الرئيس”، ولعل فترة ولاية بوش – الذي حرص دائما على أن يتظاهر بمظهر القائدِ الورِعِ- قد ساهمتْ في تشجيع المحافظين الجدد على الحديث بصفة مفتوحة عن ضرورة تمتع أي قائد أميركي بمستوى لابأس به من القوة والدين. وهما العاملان اللذان وَجَّها التاريخَ البشريَّ دائما، وبواسطتهما يحاول الأميركيون اليوم التحكم في بوصلة التاريخ المعاصر وتوجيهه إلى مايخدم مصالحهم في كل شبر من هذا الكوكب الذي بدأ يَئِطُّ تحت تأثير الأسلحة وصراع الإديولوجيات والمذاهب والأديان. وإذا ظلت المسافة تنحسر ما بين الكنسية والبانتاغون بهذه السرعة، فاعلم أن الأيام حُبلى بأحداثٍ لا يمكن التنبؤ بطبيعتها وحجمها ومجالها…

رد واحد to “القوة والدين..والسباق إلى البيت الأبيض”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: