نظرية صدام الشعوب

قبل أكثر من عَقد من الزمن، نشرت مجلة «الشؤون الخارجية» مقالا لصموئيل هنتنغتون تحت عنوان: «صدام الحضارات»، تنبأ فيه بأن الصراع العالمي بعد انتهاء المغالبة بين السوفيات وأميركا سيتحول إلى صراع بين الثقافات والحضارات بدل الإمبراطوريات والأيديولوجيات. ونفس المجلة نشرت في عددها الأخير مقالا لكاتب آخر، هو جيري مولر، بعنوان: «صدام الشعوب» (The Clash of People) تنبأ فيه بأن طبيعة الصراعات التي تنتظرنا في الأجيال القادمة ستكون صراعات عرقية ومذهبية بحتة. وكأنه قد كُتب على البشرية ألا تخرج من صراع إلا كي تدلف إلى آخر أعنف منه، وألا تكفكف دموعَها من آلام وأوجاع، حتى تقوم بشحذ سيوفها لتقفز إلى حلبة الصراع من جديد.
لقد ارتعدت فرائصي وأنا أقرأ المقال. فقد أحسست أن البشرية، رغم كل حديثها عن الانفتاح والحرية والحضارة، تزحف القهقرى راجعة إلى عالم شبيه بعالم الغابات، حيث يأكل القوي منها الضعيف. وأعتقد أن عالمنا اليوم جاهز تماما لمثل هذه الفرضية: «نظرية صدام الشعوب» أو «صدام الأعراق». وأعتقد أن كشفا بالمبالغ التي ينفقها العالم اليوم على التسلح وصناعة آلات الموت تنبئ بأن مستقبلا فظيعا قد يكون في انتظار البشرية إن لم تداركها رحمة من ربك (الإحصاءات تقول إن أكثر إنفاقات البشرية اليوم تذهب إلى التسلح والدعارة!).
قلب ناظريك على ظهرها تجد العصبيات تلتهم الأخضر واليابس، وأخشى أن يمسنا منها سموم ماحق في العالم العربي. ففي العراق، بُعثت العصبيات والنعرات الطائفية من جديد. وخرجت الشخصيات التاريخية من بطون الكتب الصفراء لتتحكم في حياة الناس مرة أخرى. بدأت تتقاتل من جديد ما بين دجلة والفرات. لقد قام أبومسلم الخراساني من مرقده وامتشق سيفه وبدأ يُبيد كل من تجري في عروقه دماء أموية. كما انتفضت ذرية ابن أبي سفيان لتبيد كل من ينازع الأمويين السلطة أو يحدث نفسه عن الإمارة أو الخلافة.
وفي لبنان، بدأت الدولة تُقسم مثل الغنائم على أساس العصبية والطائفية والعرقية البدائية. وبُعثت الشخصيات التاريخية من مرقدها لتلعب أدوارا سلبية لم تلعبها قط في حياتها. فلبنان اليوم تخفق فيه البنود السود، ويجول في جنباته جيش المهلب بن أبي صفرة كما يتردد بين ربوعه صوت الأخطل:
ولست بصائمٍ رمضانَ طوعاً.. ولست بآكلٍ لحمَ الأضاحي
ولكني سأشربها شمولا.. وأسجد عند منبلج الصباح!
وقل نفس الشيء عن أرض الكنانة. فقد استيقظ الفراعنة من قبورهم بعد سبات دام آلاف السنين. وثار الأقباط على عمرو بن العاص، وتم طرد جنود عبدالعزيز بن مروان… وقامت العامة برجم قبر العز بن عبدالسلام.
وجزيرة العرب هي الأخرى ليست بمعزل عن هذه العصبيات المسعورة. فقد ظهر كُلَيْب من جديد وقتله جساس للمرة الألف، وقام همام مناديا:
قربا مربط النعامة مني.. لقحت حرب وائل عن حيال!
وفي الركن القصي من العالم العربي، تمت محاكمة طارق بن زياد لأنه في لسانه لكنة غير عربية، كما تم اغتيال عقبة بن نافع للمرة الثانية من طرف قبائل البربر. أما على الجانب الشمالي من البسيطة، فقد نسي الغربيون كل ما قالوه عن الحرية، وحبَّرتْه أناملهم خلال 100 عام الماضية. بل قام البابا أوروبان وأعلنها حربا صليبية مقدسة ضد العرب والمسلمين.. وهاهو ريتشارد قلب الأسد يجهز جيوشه من جديد ويدخل بلاد المسلمين هذه المرة. قد تكون نظرية مولر مصيبة أو مخطئة، لكن من الواضح أن عالمنا كلما ظن أنه تقدم إلى الأمام تفضحه تصرفاته وتثبت أنه في الحقيقة يسير إلى الوراء. وويل لبني جنسك وكوكبك إن ظلت البشرية سائرة على هذه الجادة التي تطبع تفكيرها اليوم!

 
…………………………………………………………………………………………………………….

رد واحد to “نظرية صدام الشعوب”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: