الذهنية الاستعمارية

في شهر يونيو من عام 2004, قابلتُ في باحة أحد مستشفيات ميزوري، بالولايات المتحدة رجلا بدا لي قوي البنية، وفي نهاية عقده الرابع، وعرفت منه، بعد أن تحدثت إليه، أنه أجرى منذ أيام عملية جراحية, وحدثني بحماس وفخر كيف أن هدف العملية، إنما هو التبرع لطفلة صغيرة ببعض الأجزاء الدقيقة في ساقه، وكيف أنه لا يعرف الطفلة ولا أهلها، وإنما قرأ عن حالتها على الشبكة العنكبوتية, قرأ عن حياتها المهددة بالخطر فتدفق حنانا وشفقة فقرر التبرع لها, وعندما سألته: “هل دفعوا لك مبلغا ماليا للتعويض”؟ قال لا! وأردف: “هذا الذي يميزنا كبشر”!! وبعد الاسترسال في الحديث مع الرجل أخبرني أنه عائد لتوه من العراق، حيث يعمل ضابطا في الجيش الأمريكي هناك، وأنه ينوي الرجوع لتحرير العراقيين!!
* مشكاة واحدة:

تلكم قصة معبرة عن الذهنية الاستعمارية, تجلت أكثر ما تجلت في العهد الاستعماري للولايات المتحدة! فضائل ومميزات لا تنكر، ورقة في المشاعر وإكبار للنفس البشرية داخل حدود البلد، وعجرفة وعنجهية خارج الحدود لا تبرر, حتى لكأن الشخصية أو السياسة الممارَسة خارج الحدود والمطبقة داخله لا “تنبعان من مشكاة واحدة”. فصاحبنا لم يتحمل أن “يسمع” عن طفلة مريضة لا يقف دون إنقاذ حياتها إلا أن يتبرع لها بشيء من جسمه فسافر إلى ولاية أخرى لإنقاذ روح وأجرى العملية, لكنه تحمل أن “يرى” بيوتا في العراق تدك على النساء والأطفال, بل إنه “سافر” ليفعل ذلك بحماس. فدك الآمنين في هزيع الليل البهيم في الفلوجة وبغداد!!
في هذه القصة يكمن الإشكال الذي حير أصدقاء أمريكا وأعداءها على حد سواء: إشكالية التوفيق بين قوانينها المتميزة في الداخل، وسياساتها الظالمة في الخارج, إشكالية التوفيق بين ذلك الأمريكي الوديع داخل حدودها وذلك الجندي “الفظ” الطواف للعالم وبندقيته فوق ظهره. إذ كيف تعلي من قيمة الإنسان على أرضها وتحترم شعوبها وتفعل عكس ذلك تماما بشعوب كاملة خارج أرضها تعيش آمنة على مكان آخرة من المعمورة!
* المستعمر لا يحمل فضائله خارج أرضه:
للمفكر الجزائري مالك بن نبي عبارة دقيقة ذكرها في كتابه: “وجهة العالم الإسلامي” في معرض تحليله لطبيعة العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، إذ قال: “إن المستعمر لا يحمل فضائله خارج أرضه”, لذلك يظل المستعمر ديمقراطيا إلى أن يبدأ التعامل مع الآخر، فإذا به ديكتاتوري من العيار الثقيل, يسرح الجيوش ويملأ السجون ويروع الآمنين، ولعل المقارنة بين ما حدث في سجن غوانتنامو وأبو غريب من جهة، والقوانين والنظم التي تسير بها السجون داخل الولايات المتحدة من جهة أخرى كافية لفهم ظاهرة الانفصام تلك في ضمير المستعمر.
كتب توماس فريدمان, المعلق بصحيفة نيويورك تايمز عن أنه, “يجب على كل من أراد العمل في العراق أن يجرى له امتحان, ويتألف هذا الامتحان من سؤال واحد: هل تعتقد أن أقصر مسافة بين نقطتين خط مستقيم؟ فإن أجاب بـ”نعم”، فلا ينبغي أن يعمل هناك, يستطيع أن يعمل في كوريا أو اليابان أو ألمانيا لكن ليس في العراق, فقط, أولائك الذين يفهمون أنه في الشرق الأوسط أقصر مسافة بين نقطتين، ليست أبدا خطا مستقيما ينبغي أن يعملوا هناك”.
إن ما يريد فريدمان أن يقوله هو أنه ينبغي أن لا تكون سياستنا في العراق منطقية أو أخلاقية أو محكومة بالعرف الدولي, كلا, بل ينبغي أن تحكم باللف والدوران كما يستحق المحكومون بها.
على الليبراليين العرب الذين فتنوا بأمريكا داخل حدودها أن لا يعتبروا أفعالها وقوانينها داخل حدودها مقياسا لما ستقوم به هنا في بلادنا، حيث ظل “الشرق الأوسط هو أكبر استثناء في السياسة الخارجية الأمريكية”، كما اعترف بذلك فريد زكريا، الكاتب المعروف بنزعته التبريرية لأفعال الولايات المتحدة. عليهم أن يعلموا أن الفضائل المتناثرة بين كاليفورنيا وفلوريدا، فضائل “لازمة” وغير “متعدية” للآخر!..أملتها ظروف تاريخية معينة واقتضتها “أخلاق الزبونية” التي تنتج الفضائل هناك.
إن صناع القرار في ديار الغرب أنفسهم لاحظوا التناقض الخطير بين ما يدعون إليه ويطبقونه على مواطنيهم من جهة، وبين ما “يصدرونه” إلى العالم الخارجي، لذلك بدءوا “يعللون” تصرفاتهم بإلقاء التبعة على تلك الشعوب التي مورست عليها تلك السياسات الجائرة.
وقد برروا تصرفاتهم هذه بما دعوه “الاختلاف الثقافي” والخصوصية التاريخية, وهي نظرية عنصرية في جوهرها. وتقوم على أن هناك شعوبا قابلة للديمقراطية وأخرى غير قابلة للديمقراطية, شعوب “تحفظ ولا يقاس عليها”.
حتى الكلمات والمصطلحات القانونية المتواضع عليها في ديار المستعمِر، تَتَسمَّمُ بمجرد تصديرها إلى الآخر، لذلك ما يدعوه الغرب بالإنسان ليس هو غير “المواطن”. تكذب دساتير الغرب وتنافق إذ تدبج توطئتها بما تسميه وهما أو خداعا حقوق الإنسان… إن كلمة “إنسان” هنا محشورة حشرا في غير موقعها, كحشر السليم في الأجرب, إلا أن يضاف إليها الفرنسي أو الإنكليزي أو الغربي عامة”..
* التبرم من المسئولية:
كُتب في العالم الغربي عن الإسلام منذ وقوع الحادي عشر من سبتمبر2001، ربما ما م يكتب عنه قط في مثل هذا الظرف الوجيز، وقد جاءت معظم هذه الكتابات من الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم أن تلك الكتابات اتخذت طابع التعليل والتحليل لما حدث في ذلك اليوم الجلل، إلا أنها في مجملها تؤكد على فكرة واحدة، مفادها أن الضربة التي تعرضت لها الولايات المتحدة كانت نتيجة مشاكل العرب أنفسهم وحقدهم على الولايات المتحدة لا نتيجة أفعال الولايات المتحدة وسياساتها في العالم الإسلامي.
وبالتركيز على هذه النقطة، يرسخ هؤلاء الكتاب فكرة واحدة يمكننا أن نعدها من خصائص الذهن الاستعماري، وهي خاصية “التبرم من المسؤولية”. فنحن نعلم أن الغرب، كما يقول الدكتور المسيري، “حقيقة تاريخية يجب التعامل معها وليس شماعة نعلق عليها كل مشاكلنا”. فالغربيون كانوا هنا يحكمون ديارنا ردحا من الزمن، لذلك فعليهم جزء من مسؤولية تخلف هذه الشعوب وتوريث سلطتها لأنظمة موالية لهم في كثير من الأحيان، ولا شك أن هذه المسؤولية تعظم وتتضاءل من بلد لآخر حسب الحالة والسياق والتاريخ.
ورغم أن هذه حقيقة ساطعة، إلا أن معظم الكتاب الغربيين في كتاباتهم تلك ينكرونها، ويرجعون كل المشاكل الموجودة في العالم الإسلامي إلى “المشاكل الداخلية” للبلد، ويجزم كبراؤهم بأن الغرب منها براء، حتى ما كان الغرب طرفا بشكل مباشر فيه كالاحتلال الموجود في العراق!!
وإذا كانت نفسية الشعوب التي ابتليت بالاستعمار “قابلة للاستعمار”، كما يقول بن نبي، فإن للمستعمِر هو الآخر نفسية مثيرة تتسم بالكثير من “الانفصام” والتناقض ما بين المبدإ وتجسيده، والفكرة ومجالها، ولعل الساحة الدولية اليوم تجسد هذا التناقض وذلك الانفصام وتلك “الذهنية” أكثر من وقت آخر.

2 تعليقان to “الذهنية الاستعمارية”

  1. محمد بيشى Says:

    للمستعمر -مقارنتا بنا- فضائل فعلا ولكنه كما يقول بن نيى لايحملها الينا وفى نظرى ان المسؤول الاول ليس المستعمر بفدر ساستنا وكبراءنا الذين اضلوهم السبيل . كما ان تخلفنا وحرماننا وهمجيتنا احيانا منعت وصول فضائل المستعمر. والشكر لك استاذ احمد فال موصول

  2. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: