تونس…عدالة في توزيع الظلم!

كنت قد عزمت منذ عقد من الزمن على أن لا تطأ قدمي أرضَ تونس باختياري مادام يتحكم فيها بن علي ورفاقه، لكنني وجدتني أزورها عام 2005، بل وأعود لزيارتها قبل ثلاثة أشهر رفقة الوالدة التي كانت بحاجة ماسة لمقابلة طبيب هناك، وبعد أن قابلت الطبيب وانتهيت مما كنت بصدده، قمت بزيارة أحد المحامين البارزين – الدكتور عبد الرؤوف العيادي-  وهو واحد من أبناء تونس الذين يعبرون عن حقيقتها وتاريخها، إنه واحد أولئك النفر الذين مازالوا يحيون أمل الحياة في ذلك الصقع الذي غابت عنه الحياة! وينادون على الشعب التونسي رغم كل ما يتخبط فيه من استبداد وظلم، أن الفجر لا بد أن يطلع يوما ما، وأن أحلك ساعات الليل تلك التي تلي الفجر منها وأن جحافل الظلام لابد وأن تتبد تحت خيوط شمس الحرية الوضاءة، إنه واحد من أبناء تونس المخلصين مثل السجين الطليق محمد عبو والمرزوقي وعبد الوهاب معطر وآخرين.
وعندما خرجت من مكتب الأستاذ العيادي، رأيت مخبرا يمشي وراءي، وكانت أول مرة في حياتي أرى فيها مخبرا يراقبني بحمد الله، لأنني عادة أتردد ما بين صحراء موريتانيا التي تعلم الحرية بفضاءاتها الرحبة،وبين الولايات المتحدة التي تفرض الحرية بالقانون على أراضيها، وما إن وصلت المنزل حتى هاجمتني مجموعة من رجال المخابرات، وعاثوا في الشقة تفتيشا، واختطفوني إلى أحد مخافرهم تاركين الوالدة تعاني الغربة وآلام المرض!
وخلال الثلاثين دقيقة الأولى، وقبل أن أدخل غرفة التحقيق، أخذوا جهاز الحاسوب المحمول الذي كان معي وبدأوا يفتشونه، فذهب ذهني بعيدا! شرد ذهني إلى الفرق الشاسع بين الحرية والعبودية، بين حكومة تحترم شعبها وبين أخرى تستعبده. ذهب ذهني إلى حادثة حدثت في أميركا.!
حيث إنني كنت في الولايات المتحدة الأمريكية حين اعتقل الشاب الفرنسي زكريا مساوي قبل الحادي عشر من سبتمبر من طرف FBI بتهمة التخطيط لعمل إرهابي ما، وكان اعتقاله قبل الحادي عشرمن سبتمبر بحوالي عشرين يوما، وكان بحوزته جهاز كومبيوتر محمول ربما كان يحتوي على أشياء كانت ستقود المحققين إلى خيوط عن العملية الإرهابية التي كانت ستنفذ، لكن رجال FBI  لم يلمسوا جهاز المعتقل ولم يفتشوه في انتظار إذن من القضاء، ولم يأت الإذن إلا بعد وقوع الضربات، أما أنا الذي  لم أكتسب جرما ولم أخطط لآخر، فقد نُثر جهازي خلال اللحظات الأولى داخل هذا المخفر التونسي الرهيب! وبين هذين الأنموذجين، يكمن الفرق بين الحرية والعبودية!
وقبل أسبوع من الآن، كان أحد الشبان الموريتانيين يتأهب للرجوع إلى أرض الوطن قادما من تونس بعد أن أنهى دراسته العليا هناك وبتفوق، وعندما وصل المطار رفقة زوجه، جاءه رجال “الأمن”  واختطفوه  إلى مبنى المخابرات، واعتقلوه هناك ثلاثة أيام، حدثني شخصيا أنه عانى خلالها التعذيب البدني والنفسي دون أي سبب ليطلقوا سراحه بعد ذلك!
وفي عام 2004، قام “الأمن” التونسي باعتقال أربعة طلاب من خيرة الطلاب الموريتانيين الذين يدرسون في تونس، واحتجزهم داخل مبنى وزارة الداخلية لمدة عشرين يوما، ليرحلهم بعد ذلك رغم أن كلما ما كان يفصلهم عن إكمال الدراسة هو ثلاثة أشهر فقط!
وما فتئ النظام التونسي يعتقل بعض المواطنين الموريتانيين ليسومهم سوء العذاب لا لشيء إلا – حسبما يبدو- لمحاولة العدل في توزيع الظلم! فالنظام التونسي يريد أن يكون عادلا في توزيعه للظلم بين مواطنيه ومواطني العالم الآخر!
والذي أستغربه شخصيا ليس مضايقة الموريتانيين المقيمين في تونس من طرف عصابات الحق العام التي تحكم هناك – فتلك شنشنة مردوا عليها – بل سكوت السلطات الموريتانية على إهانة مواطنيها على يد نظام خائف من شعبه، بل خائف من شعوب العالم الآخر.
فمتى سترسل حكومتنا رسالة واضحة المعالم إلى تونس أن العدل في توزيع الظلم غير مقبول، وأن الأجدى بهم أن يقصروا ظلمهم على من يحكمون ما دام الظلم نحيزة متحكمة في غرائزهم ؟
وأنا متأكد – يا أبناء تونس- أن جحافل الليل ستولي الأدبار، وسيذهب المستبدون إلى مستنقعات التاريخ غير مأسوف عليهم إلى الأبد، وحينها سينشد شعب تونس الأبي:
لتبك على الفضل بن مروان نفسه *  فليس له باك من الناس يعرف!

2 تعليقان to “تونس…عدالة في توزيع الظلم!”

  1. محمد العاقب ولد التراد Says:

    يا اخي محمد فال ان الذي تصف في تونس الشقيقة ليس منها تغريدا خارج السرب بل هو حلقة _ليست مفقودة_ في سلسلة الذل العربي العريق.
    فك الله رقابنا من اسار حكامنا الاسود علينا النعامات في الحروب. وفي بناء الاوطان واحترام الشعوب

  2. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: