بين العلمانية السلفية والسلفية الجهادية

يكمن الإشكال عادة في أي قضية متناولة في وجود طرفين شاذين أو مبالغين ، يبالغ كل منهما في التشبث بفكرته والابتعاد بها عن ” الوسط” ويفضل التموقع بها في ركن قصي ذات اليمن أو ذات الشمال، وهذان الطرفان البعيدان المبالغان في تنكب الجادة هما مكمن التحدي الحقيقي لأي مشروع ديمقرا طي في موريتانيا وفي غيرها من بلدان العالم الإسلامي التي تحبو نحو العدل والحرية والمساواة.

هناك تياران يستمد كل منهما شرعيته من وجود الآخر، رغم تباعد الشقة الفكرية بينهما، واختلاف المنطلقات الإيديولوجية لهما، إلا أن النزعة ” الاستئصالية” التي يشتركان فيها تجعل كلا منهما يغذي فكر الآخرشاء أم أبى، ويستمد شرعيته من وجوده اعترف بذلك أم لم يعترف به، وهذان التياران هما: تيار ” العلمانية المتوحشة” الاستئصالية وتيار السلفية “المتطرفة” الميالة إلى العنف في غير محله وخارج سياقاته.

ولعل مكمن الخطرالذي يهدد مستقبل الديمقراطية في هذا البلد يتمثل في هذين التيارين الرافضين للآخر، الموغلين في تسفيه رأي ” المخالف” أيا كان، ودعونا في هذه الأسطر نرى بعض نقا ط الاختلاف والاتفاق بين الجماعتين.

1- أولا يلتقيان في سيطرة الماضي عليهما وعجزهما عن التحرر منه، فالتيار السلفي – صاحب النزعة العنفية-  عاحز عن تجاوزآليات الماضي غير الملزمة شرعا ولا عقلا، مرتهن لأشكال التدين لا يركز إلا عليها دون أن يدخل في حسبانه الحس المقاصدي وضرورة كون الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، وأن ” التغير” سنة من سنن الحياة وأن “الشكل” قد يفقد ” المعنى” الذي كان يُعبر من خلاله عنه، وعليه فإن ذات المعني قد يعبر عنه بأشكال جديدة يتعبد المومنُ اللهَ من خلال التعبير بها والديمقراطية نموذج على ذلك.

والعلمانية المتوحشية – لتمييزها عن العمانية التي تقبل الآخر- مرتهنة للماضي كذلك، عاجزة عن تجاوزه، بل ما زالت تتبع أسلوب ” أسلافها” في الأربعينات والستينات، عاجزة عن استيعاب المراجعات الكبيرة التي أجراها العلمانيون أنفسهم في الساحة العربية والإسلامية بناء على معطيات موضوعية. فهذه “العلمانية السلفية”  التي تشك في كل ما له علاقة بالإسلام، وتجهل ” الإسلاميين” لأن معظم معلوماتها عنهم استقتها من جهتين: مما كتب بلغات أجنبية من أعداء للتيار الإسلامي يجهلونه، أو من ” تلفيقات استخباراتية” كانت تصلها  نتيجة مسؤلية  فوقية معينة، فالتيار العلماني بهذا المعني “سلفي”  عاحز عن فهم مراجعات العلمانيين التي حدثت بعد تجارب فشلهم في الساحة الإسلامية، وعاجز كذلك عن فهم المراجعات التي أجرتها التيارات الإسلامية المعتدلة، وغير مدرك للنزعة ” العملية” والتوجهات البراكماتية التي طعمت بها نظريتها السياسية بعد عقود من الابتلاء الميداني يعرفه كل المهتمين بعالم الأفكار والسياسية.

2- ما يميز “العلمانية السلفية” عن “السلفية الجهادية” هو امتلاكها للسلطة في بعض البلدان، وكونها قادرة أكثر من الأخرى على الترويج لمنهجها –  ولا أقول لفكرها –  وادعاؤها الإيمان بالديمقراطية زورا، ووجود الكثير من كوادرها داخل السلطة التنفيذية، وإلا فإن الشعبية تكاد تكون متقاربة، إذ أن كلا من الفريقين المتطرفين منبتان من المجتمع، لا تجد لهما أي قاعدة عريضة أنى توجهت .

3- هناك نقطة التقاء أخرى بين كلا السلفيتين: وهي القدرة على الدخول إلى الإعلام  والحضور المتميز من خلاله: فالعلمانية بنفوذها داخل المؤسسات الإعلامية للبوسها لباس ” الحداثة” زورا،  والجهادية فأفعالها المتهورة غير المدروسة هنا وهناك مع أن موريتانيا ظلت في معزل عن ” أفعال” السلفية الجهادية داخليا على الأقل.

ذلكم هو التحدي الذي يواجه هذه البلاد وغيرها، طرفان متقابلان يسمتد كل منهما شرعيته من الآخر: فسلفية عنفية تبالغ في تخطيء الآخر وترى أنه يحارب الدين مما يخول لها تصرفات عنفية، وسلفية علمانية لا تحب أي مظهر من مظاهر حضور الدين في الحياة، وتود لو قوقعته داخل المحاريب قرءانا يتلى ويعوذ به فقط، لا كتابا يتلى لهداية البشر وانتشالهم من الضلالة. وتظل الإجابات الصحيحة دائما بين النظريتين: وسطية لا إفراط فيها ولا تفريط، تأخذ من الماضي أفضل ما فيه، وتضيف إليه أفضل ما وصلت إليه البشرية في حاضرها، وترنو بعيون ملؤها التطلع والأمل إلى مستقبل كله تقدم وازدهار وإيمان إن شاء الله.

* عن يومية السراج

رد واحد to “بين العلمانية السلفية والسلفية الجهادية”

  1. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: