حتى لا تخجل مثلي

قبل سنتين خلتا، دلفت إلى إحدى المكتبات العامة بالولاية المتحدة الأمريكية وتقدمت إلى الفتاة الجالسة أمام جهاز الكوبيوتر وطلبت منها أن تبحث لي في مكتبتها عن أي شيء له علاقة بكلمة “موريتانيا”.  ما إن ضغت السيدة زر البحث حتى فغرت فاها قائلة: “لا أعتقد أن هذا ما تريده”، فراجعتها ناظرا إلى حصيلة بحثها فوجدت أن معظم الكتب والبحوث التي ظهرت لها علاقة من قريب أو من بعيد بالعبودية أو العنصريةَ.
هذ القصة من بين أخر، استوقفتني كثيرا وجعلتني أواجه أسئلة يصعب علي وعلى مواطني – من كافة الأعراق والأجناس والمشارب – الإجابة عليها.
هل الرق موجود في بلدنا؟ أم أنها آثار الظاهرة فقط؟ وهل هناك بعض اللاعبين ممن يعوزهم “الورع السياسي” الذين يقومون باستغلال الحديث عن هذه الظاهرة المقيتة؟
أنا أحسب أن المتناولين للهم “العبودي” – إن سمح سيبويه- في بلدنا يمكن أن يقسموا إلى ما يلي:
– قوم يتناولون الملف من أجل المتاجرة المحضة وبحثا عن دريهمات معدودة يلقونها بنهمِ داخل جيوبهم ويأكلون بذلك دماء المسحوقين دون أن يقدموا لهم أي خدمة تعرف بمظالهم.
– قوم ينكرون وجود الظاهرة أصلا وويدعون أن البلد خال من أي وجود لهذه الظاهرة، ويدعون أن كل الموريتانيين تجرروا قبل عقود، وأن إثارة الملف أو الحديث عنه بأي شكل كان، إنماهو ظلم للوطن وخيانة له وتعريض له لنقمة خارجية.
– آخرون يتجاهلون الملف تماما، ويفضلون الخوض “في حديث غيره” تقليدا لسلوك النعامة المعروف بدس رأسها في التراب إذا ماشعرت بأي خطر داهم.
– وهناك آخرون يأخذون الموضوع بجدية ومسؤلية: لا يبالغون في انتشار الظاهرة ورسم صورة مأساوية للبلد يخال الناظر إليها أن موريتانيا عبارة عن سوق للنخاسة كبير….مئات التجار وألاف الخدم يروحون ويأتون والجواري يشترين ويبعن والأسياد يتفرجون والمغني يغنيهم: ” من علم الأسود الزنجي مكرمة؟”… إنما يتحدوثون عن الحالة وعن أثارها، حديثا لاينكر وجود الظاهرة ولا يبالغ فيه أيضا. يتحدثون عن الظاهرة حديثا لا يهدر مبدأ الدعوة لتحرير الناس باستغلاله استغلالا سيايا مقيتا يفقده لمعانه وبريقه، وصفته الإنساية العليا.

أعتقد أننا من أجل أن نساهم في القضاء على هذه الظاهرة المقيتة، ومن أجل سجب البساط من تحت  أي مستغل لها في الاتجاهين، يجب أن نقوم بالخطوات التالية:
1. الاعتراف أولا بوجود هذه الظاهرة مهما كان ذلك الوجود ضئيلا وبعيدا عن التجمعات الحضرية الكبرى، ومهما كان اختياريا أيضا، بل ومهما كان نوع العلاقات التي تربط المستعبد  بمستعبده.
2. التفريق بين “العبودية” و”آثارها”… فلا أعتقد أن هناك منكرلأن البلد كانت به العبودية على نطاق واسع مثله مثل كل دول الجوار بل كل الدولة الموجودة وراء البحار. فالتفريق بين العبودية وآثارها قد يساهم في وضع الملف في سياقه وجلائه ويساهم كذلك في توضيح الصورة المتناولة في الأذهان.
3. وضع برنامج وطني تحسيسي تساهم الإذاعة والتلفزيون وهيئات المجتمع المدني فيه، يحذر من هذه الظاهرة ومن ومخاطرها ويدعوا إلى الحديث عنها في الصالونات وفي الأماكن العامة وإخراجها من حيز “التابو”  والدعوة إلى روح التسامح والتآخي  ويكون ذلك مؤسسا على قول الله تعالى ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم”..وقول النبي صل الله عليه وسلم: ” الناس سواسية كأسنان المشط”..وقول ابن الخطاب رضي الله عنه: ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..؟
أعتقد أننا إذا كنا عند مستوى المسؤلية وعالجنا هذه الظاهرة” بأيدينا لا بيد قصير” أو غيره، فإننا بذلك نساهم في تجنيب وطننا الكثير من التفرق والتشرذم والأطماع، ونصنع لموريتانيا وجها مشرفا يعصمك من أن تخجل إذا انتسبت إلى وطنك كما خجل محبر هذه السطور أمام تلك الفتاة.

* منشورة بتاريخ 15 نوفمبر  2005 بجريدة السراج الموريتانية

2 تعليقان to “حتى لا تخجل مثلي”

  1. Morad Says:

    I would love to read more about your experience in the US. What stood out at the time you were here? how did that change and/or continue to change you? Did your thinking eveolve after years of living outside the US? How, and in what direction? How about while you were in the US? The culture shock within and out? What did you like/dislike about everything in the US?

    Reasons I am asking for this:

    1- it seems that we will never be able to get the stars aligned in the favor of our meeting

    2- I think you have alot to say about the little things (people’s dress, the interaction with the average Joe) as much as you have to say about Obamas election or the political trends in the mideast

    3- I believe you willl enjoy it

    4- save yourself the trouble of telling the same story to endless numbers of men and women and just refer them to one source.

    Eat well and train Hard!!

  2. اسواق اون لاين Says:

    جيد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: