محظرة الددو بين فنادق شيكاغو وزنزانات نواكشوط

Imageفي نهاية شهر أغسطس من عام 2001, عقد مؤتمر إسلامي في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة, وشاء الله أن أتخلف عن حضوره لظروف قاهرة. لكن أخبار المؤتمر وأصداءه وصلاني. فعندما سألت المؤتمرين القافلين عن مارأوا وسمعوا لم يتفقوا على شيء اتفاقهم على الحديث عن الشيخ الشنقيطي. أو كما يسمونه “الشيخ الدُّدُّو”، يطيلون مد الدال بالواو إطالة يطيلون معها الثناء والإعجاب.

صُعق رواد المؤتمر من هذاالشيخ, صعقهم علمه الغزير, وتواصعه الجم. سمعوه يهلهل الستة بأسانيدها كأنما ثوى ببخارى ردحا من الزمان إبان إشعاعها الحضاري والعلمي. سمعوه ينقد رجالات الحديث كأنما تتلمذ مع ابن معين وشاركه نفس المعين! سمعوه يذكر دقائق الفقه ويرد فروعها إلى أصولها على طريقة ابن رشد الحفيد. ما سمعوا ورأو من الشيخ ما يشبه ما وصف به حسان ابنَ عباس:

إذا قال لم يترك مقالالقائل *  بمنطلقات لا ترى بينها فصلا

شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع  *  لذي إربة في القول جدا ولا هزلا

وعندما سألت بعضهم عن سر تميز الشيخ عن بقية الضيوف لاحظتُ أن أكثر ماشدهم نقطتان: غزارة علمه وشارةُ تواضعه. هاتان النقطتان أسرتا المؤتمرين, بل أسرتا كل من قابل الشيخ أو احتك به عن قرب.

انطلق أحد المؤتمرين يحدثني عن ما فعل الشيخ “الدُّدُّو” فقال: “بعد أن انقضت المحاضرات بعد يوم حافل ذهب المحاضرون إلى غرفهم للخلود للراحة والتحضير لمحاضرات اليوم التالي, إلا الشيخ الددو. فقد رفض إغلاق باب غرفة الفندق قائلا  إنه ما جاء للخلود للراحة وإنما جاء ليفيد ويستفيد. وهكذا حول الشيخ غرفَ فنادق شيكاغو إلى محظرة شنقيطية أصيلة “تبين دين الله تبيانا”, تماما كما فعل الآن بزنزانات السجن المدني بالعاصمة انواكشوط.

فلقد حول الشيخ ليلها القاتم الميت, إلى ليال مضيئة بالهدى والنور, ترفرف عليها أجنحة الملائكة وتتنزل فيها الرحمات على بقع مقفرة من ذكر الله, وحول- بتوفيق الله تعالى- عتاة المجرمين إلى رهبان باليل, طلاب علم بالنهار, يستمعون إلى دروس الشيخ كأنما على رؤسهم الطير.

تراهم قعودا حوله وعيونهم* مكسرة أبصارها ما تصرف!

ليت شعري إذا كان هذاالشيخ يصلح حال أصحاب الموبقات في زنزاناتهم, فما الذي يتوقع منه من تأثير طيب على المستقيمين أصلا؟

وأنا أحبر هذه السطور مرسلا رسالتين لفئتين من الناس:

الأولى: للسجانيين الذين رموا البدر وراء القضبان, إلى أولئك الذين اقتادوا الشيخ الددو من محرابه في أواخر شهر الصوم ولما ينهي ختمته الأولى. اقتادوه وتركوا عيون مأموميه تدمع, نعم تركوا المصلين يتامى, أسكتوا الحنجرة التي كانت تشق هدوء الليل ترتل آي الذكر في شهر القرآن! موقظة كل وسنان, ساقية كل ظمآن  زلا ل الفرقان. نعم تستطيعون أن تعتقلوه وتحجبوه, لأن هذا هوالدليل الوحيد الذي يستطيع المستبد من خلاله أن يبرهن أن السلطة مازالت بيده. نعم, تستطيعون أن تفعلوا ذالك وقد فعلتموه, لكنكم لا تستطيعون أن تخرجوا حب الشيخ من قلوب أُشربتْه, ولا سلطان كلمته من آذان سمعتْه, ولا الإجلال له من عيون رأتْه! لن أستعطفكم كما استعطفكم  غيري, أن تطلقوا سراح الشيخ, فما أظن من اعتقل الشيخ يستحق الاستعطاف بلْه الاسترحام, بل افعلوا ما شئتم! وأنا أسألكم ما الذي تستطيعون فعله وأنى لكم أن تضروه؟ إن سجنتموه خلا بنفسه ووجد لذة الوحدة والخلوة بالنفس التي كانت هموم المسلمين وتدريس المتعلمين و”مشاغل الحرية” تحد منها, وإن أطلقتموه نطق الحق وصدح به, و”رفع للحق راية” مما يزعج أصحاب الباطل, وإن تركتموه ما بين اعتقال واحتجاز لم تزالو في شر تحسبون كل صيحة عليكم.

وإن عزلتموه داخل سجنه, مثل ما فعلتم أخيرا, وحرمتم نزلاء السجن من فيضه وعلمه ومنعتموه حتى من جيران زنزانته  نطق لسان حاله بما قال ابنُ حزم يوم أحرق سفهاء إشبيلية كتبه:

دعوني من إحراق رق وكاغد *  وقولو بعلم كي يرى الناس من يدري !

فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي *  تضمنه القرطاس إذهو في صدري!

فماذا تستطيعون أن تفعلوا أكثر من هذا؟

أما الرسالة الأخرى فهي لكل الموريتانيين:  إن الشيخ الددو أمانة في أعناقكم, حباكم الله به من بين شعوب الأرض, فكونوا عند حجم السؤلية وافدوه بالنفس والنفيس, واعلموا أ الظرف حساس وعين التاريخ ناظرة, ودفاتر التاريخ لا تعرف المحاباة, هبوا ودافعو عن من أحبكم وفضل المقام بين ظهرانيكم, معلما جاهلكم, داعيا لمريضكم.

كان بإمكان الشيخ أن يتبوأ ظلال قصر منيف في بقعة ما من الأرض ويترك هذاالبلد إلى الأبد كما فعل كثيرون, لكنه لم يفعل, بل فضل السجن بقربكم على الضواحي الهادئة في غير بلدكم, فإن  خذلتموه ولم تنصروه لتندمن على تفريطكم في عباقرة بلدكم ندمكم, قبلُ, على تشريد عباقرة تركوكم وقطنوا أرضا قصية شرقا أو غربا.

 الظرف في بلدكم يذكرني بكلمة ذكرها ابن عبد البر في كتابه الممتع: بهجة المجالس ومتعة المجالس حيث قال:

قيل لابن السماك في زمن يزيد بن معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: مظلوم لا ينتصف وظالم لا ينتهي.

فهل سيضرب الشناقطة على يد ظالمهم لينتهي أو يهبوا دفاعا عن مظلومهم لينتصف؟!

 

 

 

,

 

 

 

 

\

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: